فِي قِصَّةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَسْرَى لُطْفَهُ فَفَكَّ الأَسْرَى، وَأَجْرَى بِإِنْعَامِهِ لِلْعَامِلِينَ أَجْرًا، وَأَسْبَلَ بِكَرَمِهِ عَلَى الْعَاصِينَ سِتْرًا، وَقَسَّمَ بني آدم عبدا وحرا، ودبر أحوالهم غنى وفقرا [كَمَا
رَتَّبَ الْبَسِيطَةَ عَامِرًا وَقَفْرًا] وَقَوَّى بَعْضَ عِبَادِهِ [عَلَى السِّيَاحَةِ] فَقَطَعَهَا شِبْرًا شِبْرًا ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذكرا﴾ .
أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَكُونُ لِي عِنْدَهُ ذُخْرًا، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُقَدَّمِ الأَنْبِيَاءِ فِي الدُّنْيَا وَالأُخْرَى وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الَّذِي أَنْفَقَ الْمَالَ عَلَى الإِسْلامِ حَتَّى مَالَ الْكَفُّ صِفْرًا، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي كَسَرَتْ هَيْبَتُهُ كِسْرَى، وَعَلَى عُثْمَانَ الْمَقْتُولِ مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ صَبْرًا، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي كَانَ الرَّسُولُ يُعِزُّهُ بِالْعِلْمِ عِزًّا، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ أَعْلاهُمْ فِي النَّسَبِ قَدْرًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ويسألونك عن ذي القرنين﴾ .
الَّذِينَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هُمُ الْيَهُودُ. وَفِي اسْمِ ذِي الْقَرْنَيْنِ أربعة أقوال: أحدها: عبد الله. قاله علي ﵇. وَالثَّانِي: الإِسْكَنْدَرُ. قَالَهُ وَهْبٌ. وَالثَّالِثُ: عَبَّاسٌ. قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ. وَالرَّابِعُ الصَّعْبُ بن جابر. ذكره ابن أبي خيثمة.
في تَسْمِيَتِهِ بِذِي الْقَرْنَيْنِ عَشْرَةُ أَقْوَالٍ:
[ ١٦٨ ]
أَحَدُهَا: أَنَّهُ دَعَا قَوْمَهُ إِلَى اللَّهِ ﷿ فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ فَهَلَكَ فَغَبَرَ زَمَانًا ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ الآخَرِ فَهَلَكَ، فَذَانِكَ قَرْنَاهُ. قاله علي ﵇. وَالثَّانِي: أَنَّهُ سُمِّيَ بِذِي الْقَرْنَيْنِ لأَنَّهُ سَارَ مِنْ مَغْرِبِ الشَّمْسِ إِلَى مَطْلِعِهَا. رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّالِثُ: لأَنَّ صَفْحَتَيْ رَأْسِهِ كَانَتَا مِنْ نُحَاسٍ. وَالرَّابِعُ: لأَنَّهُ رَأى فِي النَّوْمِ كَأَنَّهُ امْتَدَّ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى
الأَرْضِ فَأَخَذَ بِقَرْنَيِ الشَّمْسِ، فَقَصَّ ذَلِكَ عَلَى قَوْمِهِ فَسُمِّيَ بِذِي الْقَرْنَيْنِ. وَالْخَامِسُ: لأَنَّهُ مَلَكَ الرُّومَ وَفَارِسَ. وَالسَّادِسُ: لأَنَّهُ كَانَ فِي رَأْسِهِ شِبْهُ الْقَرْنَيْنِ. رُوِيَتْ هَذِهِ الأَقْوَالُ الأَرْبَعَةُ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ﵁. وَالسَّابِعُ: لأَنَّهُ كَانَتْ لَهُ غَدِيرَتَانِ مِنْ شَعَرٍ. قَالَهُ الْحَسَنُ. قَالَ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ: وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الضَّفِيرَتَيْنِ مِنَ الشَّعَرِ غَدِيرَتَيْنِ وَقَرْنَيْنِ.
[قَالَ: وَمَنْ قَالَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَنَّهُ مَلَكَ فَارِسَ وَالرُّومَ قَالَ لأَنَّهُمَا عَالِيَانِ عَلَى جَانِبَيْنِ مِنَ الأَرْضِ يُقَالُ لَهُمَا قَرْنَانِ] وَالثَّامِنُ: لأَنَّهُ كَانَ كَرِيمَ الطَّرَفَيْنِ من أهل البيت ذِي شَرَفٍ. وَالتَّاسِعُ: لأَنَّهُ انْقَرَضَ فِي زَمَانِهِ قَرْنَانِ مِنَ النَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ. وَالْعَاشِرُ: لأَنَّهُ مَلَكَ الظُّلْمَةَ وَالنُّورَ: ذَكَرَ هَذِهِ الأَقْوَالَ الثَّلاثَةَ أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ.
وَاخْتَلَفُوا: هَلْ كَانَ نَبِيًّا أَمْ لا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ نبيًا. قاله عبد الله ابن عَمْرٍو وَالضَّحَّاكُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا صَالِحًا وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وَلا مَلِكًا، قَالَهُ عَلِيٌّ ﵇. وَقَالَ وَهْبٌ: كَانَ مَلِكًا وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ.
[ ١٦٩ ]
وَفِي زَمَانِ كَوْنِهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ الأُولَى مِنْ وَلَدِ يَافِثَ بن نوح. قاله علي ﵇. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ ثَمُودَ. قَالَهُ الْحَسَنُ. وَالثَّالِثُ: كَانَ فِي الْفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ ﵉. قَالَهُ وَهْبٌ وَفِيهِ بُعْدٌ.
قَوْلُهُ تعالى: ﴿سأتلو عليكم منه ذكرا﴾ أَيْ خَبَرًا يَتَضَمَّنُ ذِكْرَهُ ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ في الأرض﴾ أَيْ سَهَّلْنَا عَلَيْهِ السَّيْرَ فِيهَا. قَالَ عَلِيٌّ ﵇: إِنَّهُ أَطَاعَ اللَّهَ فَسَخَّرَ لَهُ السَّحَابَ، فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ وَمَدَّ لَهُ فِي الأَسْبَابِ وَبَسَطَ لَهُ النُّورَ، فَكَانَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ. قَالَ محاهد: مَلَكَ الأَرْضَ مُؤْمِنَانِ وَكَافِرَانِ. فَالْمُؤْمِنَانِ: سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَذُو الْقُرْنَيْنِ. وَالْكَافِرَانِ: نُمْرُودُ وَبُخْتُنَصَّرُ.
قَوْلُهُ تعالى: ﴿وآتيناه من كل شيء سببًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عِلْمُ مَا يُتَسَبَّبُ بِهِ إِلَى
مَا يُرِيدُ. وَقِيلَ: هُوَ الْعِلْمُ بِالطُّرُقِ والمسالك ﴿فأتبع سببا﴾ أَيْ قَفَا الأَثَرَ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَابْنُ عَامِرٍ وحمزة والكسائي: ﴿فاتبع﴾ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلاثَةِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: التَّقْدِيرُ فأتبع سببًا سببًا. والسبب: الطريق.
قوله تعالى: ﴿في عين حمئة﴾ أَيْ ذَاتِ حَمْأَةٍ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ: ﴿حَامِيَةٍ﴾ أَيْ حَارَّةٍ. قَالَ الْحَسَنُ: وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي مَاءٍ يَغْلِي كَغَلَيَانِ الْقِدْرِ وَيَفِيضُ مِنَ الْمَاءِ تِلْكَ الْعَيْنُ الْحَارَّةُ حَتَّى يَفِيضَ حَوْلَهَا مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فَلا يَأْتِي عَلَى شَيْءٍ إِلا احْتَرَقَ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا لِبَاسُهُمْ جُلُودُ السِّبَاعِ وَلَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مَا أَحْرَقَتِ الشَّمْسُ مِنَ الدَّوَابِّ إِذَا غَرَبَتْ نَحْوَهَا وَمَا لَفِظَتِ الْعَيْنُ مِنَ الْحِيتَانِ.
﴿قُلْنَا يَا ذَا القرنين﴾ مَنْ قَالَ هُوَ نَبِيٌّ قَالَ: هَذَا وَحْيٌ، وَمَنْ قَالَ لَيْسَ بِنَبِيٍّ قَالَ: إِلْهَامٌ ﴿إِمَّا أن تعذب﴾ أَيْ تَقْتُلُهُمْ إِنْ أَبَوْا مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ تَأْسِرَهُمْ فَتُبَصِّرَهُمُ الرَّشَدَ. ﴿قَالَ أَمَّا من ظلم﴾ أي أشرك ﴿فسوف نعذبه﴾ بِالْقَتْلِ إِذَا لَمْ يَرْجِعْ عَنِ الشِّرْكِ ﴿ثُمَّ يرد إلى ربه﴾ فَيُعَذِّبُهُ بِالنَّارِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: الْحُسْنَى الْجَنَّةُ وَأُضِيفَ الْجَزَاءُ
[ ١٧٠ ]
إِلَيْهَا. وَهِيَ الْجَزَاءُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ اليقين﴾ ﴿ولدار الآخرة﴾ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: الْمَعْنَى فَلَهُ جَزَاءُ الخلال الْحُسْنَى. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: ﴿فَلَهُ جَزَاءً﴾ بِالنَّصْبِ وَالتَّنْوِينِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَهُوَ مَصْدَرٌ مَنْصُوبٌ عَلَى الحال. والمعنى: فله الحسنى مجزيًا بها جزاه، ﴿وسنقول له من أمرنا يسرا﴾ أي قولًا جميلًا.
﴿ثم أتبع سببا﴾ أَيْ طَرِيقًا آخَرَ تُوَصِّلُهُ إِلَى الْمَشْرِقِ. قَالَ قَتَادَةُ: مَضَى يَفْتَحُ الْمَدَائِنَ وَيَجْمَعُ الْكُنُوزَ وَيَقْتُلُ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ حَتَّى أَتَى مَطْلِعَ الشَّمْسِ، فَوَجَدَ أَقْوَامًا عُرَاةً فِي أَسْرَابٍ لَهُمْ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مَا أَحْرَقَتِ الشَّمْسُ إِذَا طَلَعَتْ فَإِذَا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ خَرَجُوا مِنْ أَسْرَابِهِمْ فِي طَلَبِ مَعَايِشِهِمْ مِمَّا أَحْرَقَتْهُ، وَبَلَغَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا فِي مَكَانٍ لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ بُنْيَانٌ.
قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ خَرَجُوا يَرْعَوْنَ كَمَا يَرْعَى الْوَحْشُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كذلك﴾ أَيْ كَمَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ بَلَغَ مَطْلِعَهَا ﴿وقد أحطنا بما لديه﴾ أَيْ بِمَا عِنْدَهُ وَمَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ ﴿خُبْرًا ثم أتبع سببا﴾ أَيْ طَرِيقًا ثَالِثًا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ﴿حَتَّى إذا بلغ بين السدين﴾ قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُمَا جَبَلانِ مُنِيفَانِ فِي السَّمَاءِ مِنْ وَرَائِهِمَا الْبَحْرُ. وَقَرَأَ نَافِعٌ بِضَمِّ السِّينِ. قَالَ ثَعْلَبٌ: هُمَا لُغَتَانِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ:
مَا هُوَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مَضْمُومٌ. وَمَا هُوَ مِنْ فِعْلِ الآدَمِيِّينَ فَمَفْتُوحٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قولا﴾ أَيْ لا يَفْهَمُونَهُ إِلا بَعْدَ إِبْطَاءٍ.
وَأَمَّا يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ فَهُمَا رَجُلانِ مِنْ أَوْلادِ يَافِثَ بن نوح قال علي ﵇: مِنْهُمْ مَنْ طُولُهُ شِبْرٌ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُفْرِطٌ فِي الطُّولِ، وَلَهُمْ شَعَرٌ يُوَارِيهِمْ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَكَانَ فَسَادُهُمْ قَتْلَ النَّاسِ ﴿فَهَلْ تجعل لك خرجًا﴾ وَقَرَأَ حَمْزَةٌ: خَرَاجًا. قَالَ اللَّيْثُ: هُمَا لُغَتَانِ. وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلاءِ: الْخَرْجُ مَا تبرعت
[ ١٧١ ]
بِهِ، وَالْخَرَاجُ: مَا لَزِمَكَ أَدَاؤُهُ. ﴿قَالَ مَا مكني فيه ربي خير﴾ مما تبذلون ﴿فأعينوني بقوة﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: بِالرِّجَالِ وَقَالَ ابْنُ السَّائِبِ: بِالآلَةِ. وَالرَّدْمُ: الْحَاجِزُ. وَالزُّبَرُ: الْقِطَعُ وَالصَّدَفَانِ: جَانِبَا الْجَبَلِ.
قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: لَمَّا وَصَلَ إِلَى مُدُنٍ ممطلة قَدْ بَقِيَ فِيهَا بَقَايَا سَأَلُوهُ أَنْ يَسُدَّ مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، فَأَمَرَ الصُّنَّاعَ فَضَرَبُوا اللَّبِنَ مِنَ الْحَدِيدِ، طُولُ كُلِّ لَبِنَةٍ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ وَسُمْكُهَا شِبْرٌ.
وَرَوَى سَلامٌ التَّرْجُمَانُ قَالَ: بَعَثَنِي الْوَاثِقُ إِلَى السَّدِّ وَضَمَّ إِلَيَّ خَمْسِينَ رَجُلا، وَأَعْطَانَا مَالا، فَمَا زِلْنَا نَتَنَقَّلُ الْبِلادَ وَتَبْعَثُ الْمُلُوكُ مَعَنَا الأَدِلاءَ إِلَى أَنْ صِرْنَا إِلَى أَرْضٍ سَوْدَاءَ مُنْتِنَةِ الرِّيحِ، فَسِرْنَا فِيهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ صِرْنَا إِلَى مُدُنٍ خَرَابٍ فَسِرْنَا فِيهَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ يَطْرُقُونَهَا، ثُمَّ صِرْنَا إِلَى حُصُونٍ بِالْقُرْبِ
مِنَ السَّدِّ وَفِيهَا قَوْمٌ يتكلمون بالعربية والفارسية مسلمون يقرأون الْقُرْآنَ، فَسَأَلُونَا: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتُمْ؟ قُلْنَا: نَحْنُ رُسُلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالُوا: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا قَطُّ. ثُمَّ صِرْنَا إِلَى جَبَلٍ أَمْلَسَ وَفِيهِ السَّدُّ، وَهُنَاكَ بَابٌ حَدِيدٌ لَهُ مِصْرَاعَانِ مُغْلَقَانِ، عَرْضُ كُلِّ مِصْرَاعٍ خَمْسُونَ ذِرَاعًا فِي ارْتِفَاعِ خَمْسِينَ فِي ثِخَنِ خَمْسَةِ أَذْرُعٍ، وَقَائِمَتَاهُمَا فِي دَوَّارَةٌ، وَعَلَى الْبَابِ قُفْلٌ طُولُهُ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ فِي غِلَظِ ذِرَاعٍ، وَارْتِفَاعُ الْقُفْلِ مِنَ الأَرْضِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا، وَفَوْقَ الْقُفْلِ بِقَدْرِ خَمْسَةِ أَذْرُعٍ غَلَقٌ طُولُهُ أَكْثَرُ مِنْ طُولِ الْقُفْلِ وَقَفِيزٌ، وَعَلَى الْغَلَقِ مِفْتَاحٌ مُعَلَّقٌ فِي سِلْسِلَةٍ طولها ثمان أَذْرُعٍ فِي اسْتِدَارَةِ أَرْبَعَةِ أَشْبَارٍ، وَعَتَبَةُ الْبَابِ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ، وَرَئِيسُ تِلْكَ الْحُصُونِ يَرْكَبُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فِي عَشَرَةِ فَوَارِسَ، مَعَ كُلِّ فَارِسٍ مِرْزَبَةٌ حَدِيدٌ، فَيُضْرَبُ الْقُفْلُ بِتِلْكَ الْمِرْزَبَاتِ مَرَّاتٍ لِيَسْمَعُوا الصَّوْتَ فَيَعْلَمُوا أَنَّ هُنَاكَ حَفَظَةٌ.
وَقَدْ رُوِّينَا أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَحْفِرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ لَيَحْفِرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى
[ ١٧٢ ]
إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ؛ ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا. فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ فَيَرَوْنَهُ كَأَشَدِّ مَا كَانَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ وأردا اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ؛ [حَفَرُوا] حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ عَلَى هَيْئَتِهِ الَّتِي تَرَكُوهُ فَيَحْفِرُونَهُ وَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ فَيُنَشِّفُونَ الْمِيَاهَ وَيَتَحَصَّنُ النَّاسُ مِنْهُمْ فِي حُصُونِهِمْ، فَيَرْمُونَ بِسِهَامٍ إِلَى السَّمَاءِ، فَتَرْجِعُ وَعَلَيْهَا كَهَيْئَةِ الدَّمِ فَيَقُولُونَ. قَهَرْنَا أَهْلَ الأَرْضِ وَعَلَوْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَغَفًا فِي أَقْفَائِهِمْ فَيَقْتُلُهُمْ بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
إِنَّ دَوَابَّ الأَرْضِ لَتَسْمَنُ [وَتَشْكُرُ] مِنْ لُحُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ.
ثُمَّ إِنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ لَمَّا عَادَ بَلَغَ بَابِلَ، فَنَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ فَكَتَبَ إِلَى أُمِّهِ يُعَزِّيهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَكَانَ فِي كِتَابِهِ، اصْنَعِي طَعَامًا وَاجْمَعِي مَنْ قَدَرْتِ عَلَيْهِ مِنْ أَبْنَاءِ الْمَمْلَكَةِ، وَلا يَأْكُلْ مِنْ طَعَامِكَ مَنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ. فَفَعَلَتْ فَلَمْ يَأْكُلْ أَحَدٌ، فَعَلِمَتْ مَا أَرَادَ.
فَلَمَّا وَصَلَ تَابُوتُهُ إِلَيْهَا قَالَتْ: يَا ذَا الَّذِي بَلَغَتِ السَّمَاءَ حكمته وجاز أقطار الأرض ملكه، مالك الْيَوْمَ نَائِمٌ لا تَسْتَيْقِظُ، وَسَاكِتٌ لا تَتَكَلَّمُ، مَنْ يُبْلِغُكَ عَنِّي أَنَّكَ وَعَظْتَنِي فَاتَّعَظْتُ وَعَزَّيْتَنِي فَتَعَزَّيْتُ، فَعَلَيْكَ السَّلامُ حَيًّا وَمَيِّتًا!