فِي قِصَّةِ ثَمُودَ
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي مَهَّدَ لِطَالِبِيهِ سَبِيلا وَاضِحًا، وَكَمِ ابْتَعَثَ نَبِيًّا مُرْشِدًا نَاصِحًا، فَأَرْسَلَ آدَمَ غَادِيًا عَلَى بَنِيهِ بِالتَّعْلِيمِ ورائحا، فخلفه شِيثَ ثُمَّ إِدْرِيسَ، وَجَاءَ نُوحٌ نَائِحًا،
وَأَمَرَ هُودًا بِهِدَايَةِ عَادٍ فَلَمْ يَزَلْ مُكَادِحًا ﴿وَإِلَى ثمود أخاهم صالحا﴾ .
أَحْمَدُهُ مَا بَدَا بَرْقٌ لائِحًا، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ مَا دَامَ الْفُلْكُ سَابِحًا، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَقُلْ فِي الصِّدِّيقِ مَادِحًا، وَعَلَى عُمَرَ الْفَارُوقِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ بِنُورِ الْحَقِّ لامِحًا، وَعَلَى عُثْمَانَ وَاعْجَبْ بِمِثْلِ دَمِهِ طَائِحًا، وَعَلَى عَلِيٍّ وَأَعْلِنْ بِفَضَائِلِهِ صَائِحًا، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ وَمَا زَالَ عَرْفُ طِيبِهِ نَافِحًا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صالحا﴾ .
ثَمُودُ: هُوَ ابْنُ عَابِرِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ. أَرْسَلَ إِلَى أَوْلادِهِ وَهُوَ: صَالِحُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ أُنَيْفِ [بْنِ مَاشِحَ بن عبيد بن جادر ابن ثَمُودَ] .
وَالثَّمْدُ: الْمَاءُ الْقَلِيلُ الَّذِي لا مَادَّةَ لَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ " أَخَاهُمْ " لأَنَّهُ مِنْ قَبِيلَتِهِمْ.
﴿قال يا قوم اعبدوا الله﴾ أَيْ " وَحِّدُوهُ " فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَاؤُهُ إِلا طُغْيَانًا، فَقَالُوا: ائْتِنَا بِآيَةٍ فَاقْتَرَحُوا عَلَيْهِ نَاقَةً، فَأَخْرَجَهُمْ إِلَى صَخْرَةٍ مَلْسَاءَ فَتَمَخَّضَتْ تَمَخُّضَ الْحَامِلِ، ثُمَّ انفلقت عن ناقة على الضفة الَّتِي طَلَبُوهَا، ثُمَّ انْفَصَلَ عَنْهَا فَصِيلٌ فَقَالَ ﴿ذَرُوهَا تَأْكُلُ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ أَيْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ مُؤْنَتُهَا وَلا عَلَفُهَا. وَتَأْكُلْ مَجْزُومَةٌ عَلَى جَوَابِ الشَّرْطِ الْمُقَدَّرِ، وَالْمَعْنَى إِنْ تَذَرُوَهَا تَأْكُلْ.
[ ١٠٠ ]
﴿ولا تمسوها بسوء﴾ .
وَالسُّوءُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى عَشَرَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا الشدة ﴿يسومونكم سوء العذاب﴾ وَالثَّانِي: الزِّنَا: ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ . وَالثَّالِثُ: الْبَرَصُ ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ والرابع: العذاب ﴿لا يمسهم السوء﴾ وَالْخَامِسُ الشِّرْكُ: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ والسادس السب: ﴿وألسنتهم بالسوء﴾ والسابع الضر: ﴿ويكشف السوء﴾ والثامن الذنب: ﴿يعملون السوء بجهالة﴾ والتاسع القتل والهزيمة: ﴿لم يمسهم سوء﴾ والعاشر العقر: ﴿ولا تمسوها بسوء﴾ .
فَكَانَتْ تَشْرَبُ مَاءَ الْوَادِي كُلَّهُ [فِي يَوْمٍ] . وَتَسْقِيهِمُ الدَّرَّ مَكَانَهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرض﴾ أي أنزلكم ﴿تتخذون من سهولها قصورا﴾ السَّهْلُ: ضِدُّ الْحَزْنِ. وَالْقَصْرُ: مَا شُيِّدَ وَعَلا مِنَ الْمَنَازِلِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: اتَّخَذُوا الْقُصُورَ فِي سُهُولِ الأَرْضِ لِلصَّيْفِ وَنَقَّبُوا فِي الْجِبَالِ لِلشِّتَاءِ.
قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَبْنِي الْبُنْيَانَ فَيَمُرُّ عَلَيْهِ مِائَةُ سَنَةٍ، فَيَخْرُبُ،
[ ١٠١ ]
ثُمَّ يُجَدِّدُهُ فَيَمُرُّ عَلَيْهِ مِائَةُ سَنَةٍ فَيَخْرُبُ، فَأَضْجَرَهُمْ ذَلِكَ، فَاتَّخَذُوا مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا.
قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى قَوْلِ صَالِحٍ وَاحْتَالُوا عَلَى قَتْلِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهله﴾ وَقَعَدُوا فِي أَصْلِ جَبَلٍ يَنْتَظِرُونَهُ، فَوَقَعَ الْجَبَلُ عَلَيْهِمْ فَهَلَكُوا، ثُمَّ أَقْبَلَ قَوْمٌ مِنْهُمْ يُرِيدُونَ قَتْلَ النَّاقَةِ فَقَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وسقياها﴾ أَيِ احْذَرُوا نَاقَةَ اللَّهِ وَشِرْبَهَا مِنَ الْمَاءِ. فَكَمَنَ لَهَا قَاتِلُهَا وَهُو قُدَارُ بْنُ سَالِفٍ فِي [أَصْلِ] شَجَرَةٍ فَرَمَاهَا بِسَهْمٍ فَانْتَظَمَ بِهِ عَضَلَةُ سَاقِهَا، ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهَا بِالسَّيْفِ فَكَشَفَ عُرْقُوبَهَا، ثُمَّ نَحَرَهَا.
وَقَالُوا: يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا مِنَ الْعَذَابِ. فَقَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ.
قَالَ [الْمُفَسِّرُونَ]: لَمَّا عَقَرُوهَا صَعِدَ فَصِيلُهَا إِلَى الْجَبَلِ فَرَغَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ صَالِحٌ: لِكُلِّ رَغْوَةٍ أَجَلُ يَوْمٍ، أَلا إِنَّ الْيَوْمَ الأَوَّلَ تُصْبِحُ وُجُوهُكُمْ مُصْفَرَّةً، وَالْيَوْمَ الثَّانِي مُحْمَرَّةً، وَالْيَوْمَ الثَّالِثَ مُسْوَدَّةً. فَلَمَّا أَصْبَحُوا فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ إِذَا وُجُوهُهُمْ مُصْفَرَّةٌ، فَصَاحُوا وَبَكَوْا وَعَرَفُوا أَنَّهُ الْعَذَابُ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي إِذَا وُجُوهُهُمْ مُحْمَرَّةٌ، فَضَجُّوا وَبَكَوْا. فَلَمَّا أَصْبَحُوا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ إِذَا وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ، كَأَنَّمَا طُلِيَتْ بِالْقَارِ، فَصَاحُوا بِأَجْمَعِهِمْ: أَلا قَدْ حَضَرَكُمُ الْمَوْتُ. فَتَكَفَّنُوا وَأَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ بِالأَرْضِ لا يَدْرُونَ مِنْ أَيْنَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ.
فَلَمَّا أَصْبَحُوا فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ أَتَتْهُمْ صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فِيهَا صَوْتُ كُلِّ صَاعِقَةٍ، فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: حَفَرُوا لأَنْفُسِهِمْ قُبُورًا. فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْيَوْمِ الرَّابِعِ [وَلَمْ يَأْتِهِمُ الْعَذَابُ] ظَنُّوا أَنَّ اللَّهَ قَدْ رَحِمَهُمْ، فَخَرَجُوا مِنْ قُبُورِهِمْ يَدْعُو بَعْضُهُمْ بَعْضًا. فَقَامَ جِبْرِيلُ ﵇ فَوْقَ الْمَدِينَةِ فَسَدَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ، فَرَجَعُوا إِلَى قُبُورِهِمْ، فَصَاحَ [بِهِمْ] صَيْحَةً عَظِيمَةً: مُوتُوا عَلَيْكُمُ اللَّعْنَةُ. فَمَاتُوا وزلزلت
[ ١٠٢ ]
بيوتهم فوقعت عليهم ﴿فدمدم عليهم ربهم﴾ أَيْ أَطْبَقَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابَ.
وَلَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى دِيَارِهِمْ قَالَ: " لا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ ".
اعْتَبِرُوا إِخْوَانِي بِهَؤُلاءِ الْهَالِكِينَ، وَانْظُرُوا سُوءِ تَدْبِيرِ الْخَاسِرِينَ، لا بِالنَّاقَةِ اعْتَبَرُوا، وَلا لِتَعْوِيضِهِمُ اللَّبَنَ شَكَرُوا، وَعَتَوْا عَنِ النِّعَمِ وَبَطِرُوا، وَعَمُوا عَنِ الْكَرَمِ فَمَا نَظَرُوا، وَأُوعِدُوا بِالْعَذَابِ فَمَا حَذِرُوا، كُلَّمَا رَأَوْا آيَةً مِنَ الآيَاتِ كَفَرُوا.
الطَّبْعُ الْخَبِيثُ لا يَتَغَيَّرُ، وَالْمُقَدَّرُ ضَلالُهُ لا يَزَالُ يَتَحَيَّرُ، خَرَجَتْ إِلَيْهِمْ نَاقَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّعَمِ، وَدُرَّ لَبَنُهَا لَهُمْ فَتَوَاتَرَتِ النِّعَمُ فَكَفَرُوا وَمَا شَكَرُوا، فَأَقْبَلَتِ النِّقَمُ.
أَعَاذَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ الْكُفْرَانِ، وَحَفِظَنَا مِنْ مُوجِبَاتِ الْخُسْرَانِ، إِنَّهُ إِذَا لَطَفَ صَانَ.