فِي قِصَّةِ لُوطٍ ﵇
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَحْكَمَ الأَشْيَاءَ كُلَّهَا صُنْعًا، وَتَصَرَّفَ كَمَا شَاءَ إِعْطَاءً وَمَنْعًا، أَنْشَأَ الآدَمِيَّ مِنْ قَطْرَةٍ فَإِذَا هُوَ يَسْعَى، وَخَلَقَ لَهُ عَيْنَيْنِ لِيُبْصِرَ الْمَسْعَى، وَوَالَى لَدَيْهِ النِّعَمَ وَتْرًا وَشَفْعًا، وَضَمَّ إاليه زَوْجَةً تُدَبِّرُ أَمْرَ الْبَيْتِ وَتَرْعَى، وَأَبَاحَهُ مَحَلَّ الْحَرْثِ وَقَدْ فَهِمَ مَقْصُودَ الْمَرْعَى، فَتَعَدَّى قَوْمٌ إِلَى الْفَاحِشَةِ الشَّنْعَا، وَعَدُّوا سِتًّا سَبْعًا، فَرُجِمُوا بِالْحِجَارَةِ فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ صَرْعَى ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لوطًا سيء بهم وضاق بهم ذرعًا﴾ .
أَحْمَدُهُ مَا أَرْسَلَ سَحَابًا وَأَنْبَتَ زَرْعًا، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ أَفْضَلِ نَبِيٍّ عَلَّمَ أُمَّتَهُ شَرْعًا، وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الَّذِي كَانَتْ نَفَقَتُهُ لِلإِسْلامِ نَفْعًا وَعَلَى عُمَرَ ضَيْفِ الإِسْلامِ بِدَعْوَةِ الرَّسُولِ الْمُسْتَدْعَى وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي ارْتَكَبَ مِنْهُ الْفُجَّارُ بِدَعًا، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي يُحِبُّهُ أَهْلُ السُّنَّةِ طَبْعًا، وَعَلَى الْعَبَّاسِ أَبِي الْخُلَفَاءِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ قَطْعًا.
قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذرعًا﴾
هو لوط بن هاران بن تارخ، هو ابْنُ أَخِي إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵇، وَقَدْ آمَنَ بِهِ وَهَاجَرَ مَعَهُ إِلَى الشَّامِ بَعْدَ نَجَاتِهِ مِنَ النَّارِ، وَاخْتَتَنَ لُوطٌ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، فَنَزَلَ إِبْرَاهِيمُ فِلَسْطِينَ وَنَزَلَ لُوطٌ الأُرْدُنَّ.
فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى لُوطًا إِلَى أَهْلِ سَدُومَ، وَكَانُوا مَعَ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ ﷿ يَرْتَكِبُونَ الْفَاحِشَةَ فَدَعَاهُمْ إِلَى عبادة الله ونهاهم عن الفاحشة. لم يزدهم ذلك
[ ١٥٤ ]
إِلا عُتُوًّا. فَدَعَا اللَّهَ أَنْ يَنْصُرَهُ عَلَيْهِمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ ﷿ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَأَقْبَلُوا مُشَاةً فِي صُورَةِ رِجَالٍ شَبَابٍ، فَنَزَلُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَقَامَ يَخْدِمُهُمْ، وَقَدَّمَ إِلَيْهِمُ الطَّعَامَ فلم يأكلوا، فقالوا: لا نأكل طعامًا إلى بِثَمَنِهِ. قَالَ: فَإِنَّ لَهُ ثَمَنًا. قَالُوا: مَا هُوَ؟ قَالَ: تَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى
عَلَى أَوَّلِهِ وَتَحْمَدُونَهُ عَلَى آخِرِهِ. فَنَظَرَ جِبْرِيلُ إِلَى مِيكَائِيلَ وَقَالَ: حَقٌّ لِهَذَا أَنْ يَتَّخِذَهُ اللَّهُ خَلِيلا!
فَلَمَّا رَأَى امْتِنَاعَهُمْ خَافَ أَنْ يَكُونُوا لُصُوصًا، فَقَالُوا: " لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قوم لوط " فَضَحِكَتْ سَارَّةُ تَعَجُّبًا وَقَالَتْ: نَخْدِمُهُمْ بِأَنْفُسِنَا وَلا يَأْكُلُونَ طَعَامَنَا! فَقَالَ جِبْرِيلُ: أَيَّتُهَا الضَّاحِكَةُ أَبْشِرِي بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ، وَكَانَتْ بِنْتَ تِسْعِينَ سَنَةً وَإِبْرَاهِيمُ ابْنَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً.
فَلَمَّا سَكَنَ رَوْعُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِمَ أَنَّهُمْ مَلائِكَةٌ أخذ يناظرهم، فقال: أتهلكون قرية
فيها أربعمائة مؤمن؟ قالوا: لا. قال: ثلاثمائة؟ قَالُوا: لا. قَالَ: مِائَتَانِ؟ قَالُوا: لا. قَالَ: أَرْبَعُونَ؟ قَالُوا: لا. قَالَ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ؟ قَالُوا: لا. وَكَانَ يَعُدُّهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَعَ امْرَأَةِ لوط. فقال: إن فيها لوطًا. قالوا: نحن أعلم بمن فيها. فَسَكَتَ وَاطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ. ثُمَّ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ فَجَاءُوا إِلَى لُوطٍ وَهُوَ فِي أَرْضٍ لَهُ يَعْمَلُ، فَقَالُوا: إِنَّا مُتَضَيِّفُونَ اللَّيْلَةَ بِكَ. فَانْطَلَقَ بِهِمْ وَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَقَالَ: أَمَا تَعْلَمُونَ مَا يَعْمَلُ أَهْلُ هَذِهِ الْقَرْيَةِ؟ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَخْبَثَ مِنْهُمْ!
فَلَمَّا دَخَلُوا مَنْزِلَهُ انْطَلَقَتِ امْرَأَتُهُ فَأَخْبَرَتْ قومها.
قوله تعالى: ﴿سيء بهم﴾ أَيْ سَاءَهُ مَجِيءُ الرُّسُلِ، لأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُمْ وَخَافَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْمِهِ ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قَالَ الزَّجَّاجُ: يُقَالُ ضَاقَ بِفُلانٍ أَمْرُهُ ذَرْعًا إِذَا لَمْ يَجِدْ مِنَ الْمَكْرُوهِ مَخْلَصًا. وَقَالَ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ: ضَاقَ بِهِمْ وِسْعُهُ، فَنَابَ الذَّرْعُ عن الوسع ﴿وقال هذا يوم عصيب﴾ يُقَالُ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ [وَعَصَبْصَبٌ] إِذَا كَانَ شديدًا.
[ ١٥٥ ]
﴿وجاءه قومه يهرعون إليه﴾ قَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ: لا يَكُونُ الإِهْرَاعُ إِلا إِسْرَاعًا مَعَ رِعْدَةٍ. قَالَ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ: الإِهْرَاعُ فِعْلٌ وَاقِعٌ بِالْقَوْمِ، وَهُوَ لَهُمْ فِي الْمَعْنَى،
كَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ: قَدْ أُولِعَ الرَّجُلُ بِالأَمْرِ فَجَعَلُوهُ مَفْعُولا وَهُوَ صَاحِبُ الْفِعْلِ، وَمِثْلُهُ: " أُرْعِدَ زيد " و" سهى عَمْرٌو " مِنَ السَّهْوِ. كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَفَاعِيلِ خَرَجَ الاسْمُ مَعَهُ مُقَدَّرًا تَقْدِيرَ الْمَفْعُولِ، وَهُوَ صَاحِبُ الْفِعْلِ لا يُعْرَفُ لَهُ فَاعِلٌ غيره.
قوله تعالى: ﴿ومن قبل﴾ أي مجيء الأضياف ﴿كانوا يعملون السيئات﴾ فقال لوط: ﴿هؤلاء بناتي﴾ يَعْنِي النِّسَاءَ وَلِكَوْنِهِنَّ مِنْ أُمَّتِهِ صَارَ كَالأَبِّ لهن ﴿أطهر لكم﴾ أي أحل ﴿فاتقوا الله﴾ أَيِ احْذَرُوا عُقُوبَتَهُ ﴿وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ أَيْ لا تَفْعَلُوا بِهِمْ فِعْلا يُوجِبُ حَيَائِي ﴿أليس منكم رجل رشيد﴾ فَيَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ ﴿قَالُوا: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ أَيْ مِنْ حَاجَةٍ ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ أَيْ إِنَّمَا نُرِيدُ الرِّجَالَ لا النِّسَاءَ. قَالَ: ﴿لو أن لي بكم قوة﴾ أَيْ جَمَاعَةً أَقْوَى بِهِمْ عَلَيْكُمْ ﴿أَوْ آوِي إلى ركن شديد﴾ أَيْ إِلَى عَشِيرَةٍ مَنِيعَةٍ. وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لأَنَّهُ كَانَ قَدْ أَغْلَقَ بَابَهُ وَهُمْ يُعَالِجُونَ الْبَابَ وَيَرُومُونَ تَسَوُّرَ الْجِدَارِ فَلَمَّا رَأَتِ الْمَلائِكَةُ مَا يَلْقَى مِنَ الْكَرْبِ ﴿قَالُوا: يَا لُوطُ إنا رسل ربك﴾ فَافْتَحِ الْبَابَ وَدَعْنَا وَإِيَّاهُمْ. فَفَتَحَ الْبَابَ وَدَخَلُوا. وَاسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ رَبَّهُ ﷿ فِي عُقُوبَتِهِمْ فَأَذِنَ [لَهُمْ] فَضَرَبَ بِجَنَاحِهِ وُجُوهَهُمْ فَأَعْمَاهُمْ فَانْصَرَفُوا يَقُولُونَ النَّجَاءَ النَّجَاءَ إِنَّ فِي دَارِ لُوطٍ أَسْحَرَ قَوْمٍ فِي الأَرْضِ. وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يَا لُوطُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى تُصْبِحَ. [يُوعِدُونَهُ] . فَقَالَ لهم لوط: متى موعد هلاكهم؟ قالوا: لصبح. قَالَ لَوْ أَهْلَكْتُمُوهُمُ الآنَ؟ فَقَالُوا: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بقريب!
ثم قالت له الملائكة: " فأسر بأهلك ". فَخَرَجَ بِامْرَأَتِهِ وَابْنَتَيْهِ وَأَهْلِهِ وَبَقَرِهِ وَغَنَمِهِ ﴿بِقِطْعٍ من الليل﴾ أَيْ بِبَقِيَّةٍ تَبْقَى مِنْ آخِرِهِ.
[ ١٥٦ ]
وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى جِبْرِيلَ: تَوَلَّ هَلاكَهُمْ. فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ غَدَا عَلَيْهِمْ جِبْرِيلُ ﵇ فاحتمل بلادهم على جناحه، وكان خَمْسَ قُرَى أَعْظَمُهَا سَدُومُ، فِي كُلِّ قَرْيَةٍ مِائَةُ أَلْفٍ، فَلَمْ يَنْكَسِرْ فِي وَقْتِ رَفْعِهِمْ إِنَاءٌ، ثُمَّ صَعِدَ بِهِمْ
حَتَّى خَرَجَ الطَّيْرُ فِي الْهَوَاءِ لا يَدْرِي أَيْنَ يَذْهَبُ وَسَمِعَتِ الْمَلائِكَةُ نُبَاحَ كِلابِهِمْ، ثُمَّ كَفَأَهَا عَلَيْهِمْ وَسَمِعُوا وَجْبَةً شَدِيدَةً، فَالْتَفَتَتِ امْرَأَةُ لُوطٍ فَرَمَاهَا جِبْرِيلُ بِحَجَرٍ، فَقَتَلَهَا، ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ جَعَلَ يَتْبَعُ مُسَافِرَهُمْ وَرُعَاتَهُمْ وَمَنْ تَحَوَّلَ عَنِ الْقَرْيَةِ، فَرَمَاهُمْ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى قَتَلَهُمْ. وَكَانَتِ الْحِجَارَةُ مِنْ سِجِّيلٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هو الشديد الصلب من الحجارة " مسومة ". أَيْ مُعَلَّمَةً قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ الْحَجَرُ أَسْوَدُ وَفِيهِ نُقْطَةٌ بَيْضَاءُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: كَانَ عَلَى كُلِّ حَجَرٍ مِنْهَا اسْمُ صَاحِبِهِ. وَحَكَى عَنْ مَنْ رَآهَا قَالَ: كَانَتْ مِثْلَ رُءُوسِ الإِبِلِ وَمِثْلَ قَبْضَةِ الرَّجُلِ.
﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظالمين ببعيد﴾ تَخْوِيفٌ لِلْمُخَالِفِينَ.
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله ابن أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ ".
وَرَوَى أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ نَقَلَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ حَتَّى يَحْشُرَهُ مَعَهُمْ ".
فَلْتَحْذَرْ مَغَبَّةَ الخطايا والذنوب فإنها بصاحبها إلى الغضب تؤوب، الْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ عَلامِ الْغُيُّوبِ.