قَامَتِ الأَقْدَامُ حَتَّى تَعِبَتْ وَنَصَبَتْ، وَكُلَّمَا سعت تعثرت في الطريق وكبت، وسقطت الجبال ولطالما انتصبت، وظهر الْمُخَبَّآتُ الَّتِي كَانَتْ قَدِ احْتُجِبَتْ، وَالْحَوْضُ غَزِيرُ الْمَاءِ وَكَمْ نَفْسٍ مَا شَرِبَتْ، فَجِيءَ بِالنِّيرَانِ فَزَفَرَتْ وَغَضِبَتْ، وَنَهَضَتْ مُسْرِعَةً إِلَى أَرْبَابِهَا وَوَثَبَتْ، فَانْزَعَجَتِ الْقُلُوبُ وَرَهَبِتْ وَهَرَبَتْ، وَكَيْفَ لا تَجْزَعُ وَهِيَ تَدْرِي أَنَّهَا قَدْ طُلِبَتْ، وَمَوَازِينُ الأَعْمَالِ عَلَى الْعَدْلِ قَدْ نُصِبَتْ، وَنَادَى الْمُنَادِي فَبَكَتِ الْعُيُونُ وَانْتَحَبَتْ: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كسبت﴾ . قوله تعالى: ﴿لا ظلم اليوم﴾ مِيزَانُ الْعَدْلِ تَبِينُ فِيهِ الذَّرَّةُ فَاحْذَرُوا، الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَاذْكُرُوا، إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ قَدْ بَقِيَ الْقَلِيلُ لإِتْيَانِهِ.
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزفة﴾ يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَسُمِّيَتْ آزِفَةً لِقُرْبِهَا، يُقَالُ أزف شخوص فلان أي قرب.
﴿إذا الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهَا تَرْتَقِي إِلَى الحناجر فلا تخرج ولا تعود ﴿كاظمين﴾ أَيْ مَغْمُومِينَ مُمْتَلِئِينَ خَوْفًا وَحُزْنًا ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ من حميم﴾ أي قريب ينفعهم ﴿ولا شفيع يطاع﴾ فِيهِمْ فَتُقْبَلُ شَفَاعَتُهُ.
[ ٣٣١ ]
سَجْعٌ
لَوْ رَأَيْتَ الظَّلَمَةَ قَدْ ذَلُّوا بَعْدَ الارتفاع، وصاروا تحت الأقدام وكانوا على يقاع،
وَبَكَوْا وَلا يَنْفَعُهُمْ عَلَى وِفَاقِ الطِّبَاعِ، وَكِيلَ لَهُمُ الْجَزَاءُ عَدْلا بِأَوْفَرِ صَاعٍ، وَعَلِمُوا أَنَّ الأَعْمَارَ مَرَّتْ بِالْغُرُورِ وَالْخِدَاعِ، وَأَنَّ مُلْكًا كَانُوا فِيهِ بِئْسَ الْمَتَاعُ، وَدُّوا لَوْ أَنَّ لِقَاءَ الدُّنْيَا كَانَ لَهُمُ الْوَدَاعُ، مَرِضُوا بِالْحَسَرَاتِ وَالْحَسَرَاتُ أَشَدُّ الأَوْجَاعِ، وَنَدِمَ مَنْ مَدَّ الْبَاعَ فَاشْتَرَى مَا يَفْنَى وَبَاعَ، لا يُنْظَرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة كأنهم رَدِيءُ الْمَتَاعِ، ظَهَرَ ذُلُّهُمْ بَيْنَ الْخَلائِقِ كُلِّهِمْ وَشَاعَ، وَرَأَوْا مِنَ الأَهْوَالِ مَا أَزْعَجَهُمْ وَرَاعَ، حشر الخلائق كلهم يومئذ في قاع، وطارت الصُّحُفُ وَالرِّقَاعُ فِي تِلْكَ الْبِقَاعِ، وَقُرِّبَتِ الأَعْمَالُ وَنُودِيَ: سَمَاعٌ سَمَاعٌ، وَنَفَعَتِ الشَّفَاعَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَمَا لِلْفُجَّارِ انْتِفَاعٌ ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شفيع يطاع﴾ .
قوله تعالى: ﴿يعلم خائنة الأعين﴾ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْخَائِنَةُ وَالْخِيَانَةُ وَاحِدٌ. وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيهَا ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ الرَّجُلُ يَكُونُ فِي الْقَوْمِ فَتَمُرُّ بِهِ الْمَرْأَةُ فَيُرِيهِمْ أَنَّهُ يغض بصره فإذا رأى منهم غفلة لحظ إليها، فَإِنْ خَافَ أَنْ يَفْطِنُوا لَهُ غَضَّ بَصَرَهُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَظَرُ الْعَيْنِ إِلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَالثَّالِثُ: الْغَمْزُ بِالْعَيْنِ. قَالَهُ الضَّحَّاكُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ الْغَمْزُ بِالْعَيْنِ فِيمَا لا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلا يَرْضَاهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: مَا تُضْمِرُهُ مِنَ الْفِعْلِ أَنْ لَوْ قَدَرَتْ عَلَى مَا نَظَرَتْ إِلَيْهِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
[ ٣٣٢ ]
وَالثَّانِي: الْوَسْوَسَةُ. قَالَهُ السُّدِّيُّ. وَالثَّالِثُ: مَا تُسِرُّهُ الْقُلُوبُ مِنْ أَمَانَةٍ أَوْ خِيَانَةٍ. حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ.