خرج مسلم (١)، من حديث سمرة بن جندب، عن النبيّ ﷺ، قَالَ: "منهم من تأخذه النار إِلَى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إِلَى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إِلَى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إِلَى ترقوته" (٢).
وخرج الإمام أحمد (٣)، من حديث أبي سعيد الخدري، عن النبيّ ﷺ، قَالَ: "إن أهون أهل النار عذابًا، رجل منتعل بنعلين من نار، يغلي منهما دماغه مع إجزاء العذاب، ومنهم من في النار إِلَى كعبيه مع إجزاء العذاب، ومنهم من في النار إِلَى ركبتيه مع إجزاء العذاب، ومنهم من في النار إِلَى أرنبته (٤) مع إجزاء العذاب، ومنهم من في النار إِلَى صدره مع إجزاء العذاب، ومنهم من قد اغتمر".
وفي الصحيحين (٥)، من حديث النعمان بن بشير، عن النبيّ ﷺ، قَالَ: "إن أهون أهل النار عذابًا، رجل في أخمص قدميه جمرتان، يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل بالقمقم".
ولفظ مسلم: "إن أهون أهل النار عذابًا، من له نعلان وشراكان من نار، يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم
_________________
(١) برقم (٢٨٤٥).
(٢) حجزته: أي وسطه. وترقوته: هي العظم الَّذِي بين ثغرة النحر والعاتق.
(٣) (٣/ ٧٨).
(٤) أرنبته: أي طرف أنفه.
(٥) أخرجه البخاري (٦٥٦١)، ومسلم (٢١٣).
[ ٤ / ٢٧٨ ]
عذابًا".
ولمسلم (١)، من حديث أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ: "إن أدنى أهل النار عذابًا، منتعل بنعلين من نار، يغلي دماغه من حر نعليه".
وفي الصحيحين (٢)، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ، أنّه ذكر عنده عمه أبو طالب، فَقَالَ: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من نار، تبلغ كعبيه، يغلي منهما دماغه".
وفيهما أيضًا (٣)، عن العباس بن عبد المطلب، أنّه قَالَ: يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك، ويغضب لك؟ قَالَ: "نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا، لكان في الدرك الأسفل من النار".
وفي رواية لمسلم (٤)، قَالَ: "وجدته في غمرات من النار، فأخرجته إِلَى ضحضاح".
ولمسلم أيضًا (٥)، من حديث ابن عباس، عن النبيّ ﷺ، قَالَ: "إن أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين، يغلي منهما دماغه".
وروى الحكم بن ظهير، وهو ضعيف، عن السدي، عن مرة، عن ابن مسعود، عن النبيّ ﷺ "إن أشد الناس عذابًا، [رجل يرمى به فيها، فيهوي فيها سبعين خريفًا، وإن أدنى أهل النار عذابًا] (*)، رجل في ضحضاح من النار، يغلي منه دماغه، حتى يخرج من منخره".
وروى مسكين أبو فاطمة، عن اليمان بن يزيد، عن محمد بن حمير، عن
_________________
(١) برقم (٢١١).
(٢) أخرجه البخاري (٣٨٨٥)، ومسلم (٢١٠).
(٣) أخرجه البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩).
(٤) برقم (٢٠٩).
(٥) برقم (٢١٣). (*) من المطبوع.
[ ٤ / ٢٧٩ ]
محمد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن النبيّ - ﷺ -، أنّه ذكر أهل الكبائر من الموحدين، فَقَالَ: "منهم من تأخذه النار إِلَى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إِلَى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إِلَى عنقه، عَلَى قدر ذنوبهم وأعمالهم" وذكر الحديث، وهو منكر، قاله: الدارقطني وغيره.
وقال عبيد بن عمير، قَالَ رسول الله ﷺ: "إن أدنى أهل النار عذابًا، لرجل، عليه نعلان، يغلي منهما دماغه، كأنه مرجل، مسامعه جمرة، وأضراسه جمرة، وأشفاره لهب النار، وتخرج أحشاء جنبيه من قدميه، وسائرهم كالحب القليل، في الماء الكثير، فهو يفور". خرّجه هناد بن السري في "كتاب الزهد" (١) بإسناد صحيح إِلَى عبيد، وهو مرسل، وقد رُوي عن عبيد موقوفًا غير مرفوع.
وروى أيضًا (٢) بإسناده، عن ابن مسعود، في قوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] قَالَ عبد الله: اطلع ثم اطلع إِلَى أصحابه، فَقَالَ: لقد رأيت جماجم القوم تغلي.
وإسناده عن مجاهد، في قوله تعالى: ﴿سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] قَالَ: تفور بهم كما يفور الحب القليل في الماء الكثير.
وعن سفيان الثوري، قَالَ في هذه الآية: تغلي بهم كالحب القليل في الماء الكثير.
وفي مصنف عبد الرزاق (٣): عن معمر، عن إسماعيل بن أبي سعيد، أن عكرمة، مولى ابن عباس، أخبره أن رسول الله ﷺ قَالَ: "إن أهون أهل النار عذابًا، رجل يطأ جمرة، يغلي منها دماغه".
فَقَالَ أبو بكر الصديق ﵁: وما كان جرمه يا رسول الله؟
قَالَ: كانت له ماشية، يغشى بها الزرع ويؤذيه".
_________________
(١) برقم (٣٠٩).
(٢) في "الزهد" (٣١٠).
(٣) برقم (١٨٤٤٧).
[ ٤ / ٢٨٠ ]
وفي صحيح مسلم (١)، عن أنس، عن النبيّ ﷺ، قَالَ: "يؤتى بأنعم أهل الدُّنْيَا من أهل النار، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال له: يا ابن آدم، هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟!.
فيقول: لا والله يا رب!! ".
واعلم أن تفاوت أهل النار في العذاب، هو بحسب تفاوت أعمالهم، التي دخلوا بها النار، كما قَالَ تعالى: ﴿وَلِكَلٍّ دَرَجَاتٌ ممَا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢].
وقال تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] قَالَ ابن عباس: وفق أعمالهم، فليس عقاب من تغلظ كفره، وأفسد في الأرض، ودعا إِلَى الكفر، كمن ليس كذلك، قَالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨].
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَفوم السَّاعَة أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]
وكذلك، تفاوت عذاب عصاة الموحدين في النار، بحسب أعمالهم.
فليس عقوية أهل الكبائر، كعقوبة أصحاب الصغائر، وقد يخفف عن بعضهم العذاب، بحسنات أخر له، أو بما شاء الله من الأسباب، ولهذا يموت بعضهم في النار، كما سيأتي ذكره فيما بعد، إن شاء الله تعالى.
وأما الكفار، إذا كان لهم حسنات في الدُّنْيَا، من العدل والإحسان إِلَى الخلق، فهل يخفف عنهم بذلك من العذاب في النار أو لا؟.
هذا فيه قولان للسلف وغيرهم:
أحدهما: أنه يخفف عنهم بذلك أيضًا.
روى ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، معنى هذا القول، واختاره ابن جرير الطبري وغيره.
وروى الأسود بن شيبان، عن أبي نوفل، قَالَ: قالت عائشة: يا رسول الله،
_________________
(١) برقم (٢٨٠٧).
[ ٤ / ٢٨١ ]
أين عبد الله بن جدعان؟
قَالَ: "في النار".
فجزعت عائشة، واشتد عليها.
فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك، قَالَ: "يا عائشة، ما يشتد عليك من هذا؟ "
قالت بأبي أنت وأمي يا رسول الله!! إنه كان يطعم الطعام ويصل الرحم.
قَالَ: "إنه يهون عليه بما قلت". خرّجه الخرائطي في كتاب "مكارم الأخلاق" (١). وهو مرسل.
وروى عامر بن مدرك الحارثي، عن عتبة بن اليقظان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن مسعود، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: "ما أحسن من محسن، كافر أو مسلم، إلاَّ أثابه الله ﷿ في عاجل الدُّنْيَا، أو ادخر له في الآخرة".
قلنا: يا رسول الله ما إثابة الكافر في الدُّنْيَا؟
قَالَ: "إن كان قد وصل رحمًا، أو تصدق بصدقة، أو عمل حسنة، أثابه الله المال والولد والصحة وأشباه ذلك" قلنا: فما إثابة الكافر في الآخرة (*)؟
قاله: عذابًا دون العذاب، ثم تلا: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]. خرّجه ابن أبي حاتم (٢) والخرائطي (٣) والبزار في مسنده (٤) والحاكم في
_________________
(١) برقم (٣٢٧).
(٢) في "تفسيره" (١٠/ ٣٢٦٧) برقم (١٨٤٣٦). (*) في الأصل: "الدُّنْيَا" وفي حاشية الأصل: "لعله الآخرة".
(٣) في "مكارم الأخلاق" (١٢٠).
(٤) برقم (٩٤٥ - كشف) وقال: ولا نعلم رواه إلاَّ ابن مسعود، ولا له إلاَّ هذا الطريق عنه. وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ١١١): وفيه عتبة بن يقظان وفيه كلام، وقد وثقه ابن حبان، وبقية وجاله ثقات. وقال الحافظ في الفتح (١١/ ٤٣٢): سنده ضعيف. وقال الذهبي في الميزان (٥/ ٤٠): والخبر منكر.
[ ٤ / ٢٨٢ ]
المستدرك (١) وقال: صحيح الإسناد، وخرّجه البيهقي في كتاب "البعث والنشور" (٢) وقال: في إسناده نظر. انتهى، وعتبة بن يقظان تكلم فيه بعضهم.
وقد سبقت الأحاديث، في تخفيف العذاب عن أبي طالب، بإحسانه إِلَى النبي - ﷺ -.
وخرج الطبراني (٣)، بإسناد ضعيف، عن أم سلمة ﵂، أن الحارث بن هشام، أتى النبيّ ﷺ، يوم حجة الوداع فَقَالَ: "إنك تحث عَلَى صلة الرحم، وإيواء اليتيم، وإطعام الضعيف والمسكين، وكل هذا كان يفعله هشام بن المغيرة، فما ظنك به يا رسول الله؟ ".
فَقَالَ: "كل قبر لا يشهد صاحبه أن لا إله إلاَّ الله، فهو جذوة من النار، وقد وجدت عمي أبا طالب في طمطام من النار فأخرجه الله بمكانه مني وإحسانه إلي فجعله في ضحضاح من النار".
والقول الثاني: أن الكافر لا ينتفع في الآخرة بشيء من الحسنات بحال.
ومن حجة أهل هذا القول قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً منثورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢٣] ونحو هذا من الآيات.
وفي صحيح مسلم (٤): عن أنس، عن النبيّ ﷺ، قَالَ: "إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة، يعطى بها في الدُّنْيَا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما
_________________
(١) (٢/ ٢٥٣).
(٢) برقم (١٧).
(٣) في المعجم الكبير (٢٣/ ٩٧٢)، والأوسط (٧٣٨٩). قَالَ الهيثمي في المجمع (١/ ١١٨): وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو منكر الحديث لا يحتجون بحديثه وقد وثق.
(٤) برقم (٢٨٠٨/ ٥٦).
[ ٤ / ٢٨٣ ]
عمل بها في الدُّنْيَا، حتى إذا أفضى إِلَى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها".
وفي رواية له أيضًا (١): "إن الكافر إذا عمل حسنة، أطعم بها طعمة في الدُّنْيَا، وأما المؤمن، فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقًا في الدُّنْيَا عَلَى طاعته".
وفيه أيضًا (٢): عن عائشة ﵂، قالت: قلت: يا رسول الله، إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قَالَ: "لم ينفعه، إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين".
وهؤلاء جعلوا تخفيف العذاب عن أبي طالب، من خصائصه بشفاعة النبيّ - ﷺ -، وجعلوا هذه الشفاعة من خصائص النبيّ ﷺ لا يشركه فيها غيره.
_________________
(١) برقم (٢٨٠٨/ ٥٧).
(٢) برقم (٢١٤).
[ ٤ / ٢٨٤ ]