قَالَ الله ﷿: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (١) (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ (٢) الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات: ٣٤ - ٣٦].
[وقال الربيع بن أنس في قوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾] (*) [النازعات: ٣٦] قَالَ: كشف عنها غطاؤها. وقال تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥ - ٧].
وروى العلاء بن خالد الكاهلي، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، عن النبيّ - ﷺ -، قَالَ: "يؤتى يومئذ بجهنم، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها". خرّجه مسلم (٣)، من طريق حفص بن غياث، عن العلاء به، وخرّجه الترمذي (٤) من طريق سفيان، عن العلاء، موقوفًا عَلَى ابن مسعود، ورجح وقفه العقيلي (٥) والدارقطني (٦).
_________________
(١) ﴿دكت﴾: أي دقت وكسرت بالزلازل. ﴿دكًّا دكًّا﴾: أى دكًّا متتابعًا حتى صارت هباءً.
(٢) ﴿والطامة الكبرى﴾: أي الداهية العظمى أي يوم القيامة. (*) من المطبوع.
(٣) برقم (٢٨٤٢).
(٤) برقم (٢٥٧٣).
(٥) في "الضعفاء الكبير" (٣/ ٣٤٤) أورد الحديث موقوفًا وقال: هذا أولى.
(٦) في التتبع ص ٣٢٩ قَالَ: رفعه وهم، رواه الثوري ومروان وغيرهما عن العلاء بن=
[ ٤ / ٣٣١ ]
وخرج ابن أبي حاتم، من طريق عبيد الله بن الوليد الوصافي، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قَالَ: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣]. تغير لون النبيّ ﷺ، وعرف من وجهه، حتى اشتد ذلك عَلَى أصحابه، فسألوه فَقَالَ: "جبريل جاء فأقرأني هذه الآية، قَالَ: كيف يجاء بها؟
قَالَ: يجيء بها سبعون ألف ملك، يقودونها بسبعين ألف زمام تسرد سردة، لو تركت لأحرقت هل الجمع ومن عليه، ثم تعرض [جهنم] (*) فتقول: ما لي ولك يا محمد لقد حرم الله لحمك علي، فلا يبقى أحد إلاَّ قَالَ: نفسي نفسي، ومحمد، يقول: أمتي أمتي".
الوصافي شيخ صالح لا يحفظ، فكثرت المناكير في حديثه.
وخرج أبو يعلى الموصلي (١)، من حديث أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ ﷺ، قَالَ: "إذا جمع الله الناس في صعيد واحد يوم القيامة، أقبلت النار يركب بعضها بعضًا، وخزنتها يكفونها، وهي تقول: وعزة ربي لتخلن بيني وبين أزواجي، أو لأغشين الناس عنقًا واحدًا، فيَقُولُونَ: من أزواجك؟
فتقول: كل متكبر جبار".
وخرج الإمام أحمد (٢) والترمذي (٣)، من حديث الأعمش، عن أبي صالح،
_________________
(١) = خالد موقوفًا. وقال الدارقطني في العلل (٥/ ٨٦) برقم (٧٣٢): يرويه العلاء بن خالد عن أبي وائل، واختلف عنه فرفعه عمر بن حفص بن غياث عن أبيه عن العلاء، ووقفه غيره، والموقوف أصح عندي، وإن كان مسلم قد أخرج حديث عمر بن حفص في الصحيح. انظر كتابي الجامع الصحيح في أهوال النار وسبل النجاة منها ص ٣٣ - طبعة دار الضياء بطنطا. (*) من المطبوع.
(٢) في "مسنده" (١١٤٥) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٩٢): ورجاله وثقوا، إلاَّ أن ابن إسحاق مدلس.
(٣) (٢/ ٣٣٦).
(٤) برقم (٢٥٧٤) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح، وقد رواه بعضهم =
[ ٤ / ٣٣٢ ]
عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ، قَالَ: "يخرج عنق من النار يوم القيامة، له عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهًا آخر، وبالمصورين". وصححه الترمذي. وقد قيل: إنه ليس بمحفوظ بهذا الإسناد، وإنما يرويه الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد.
فقد روى الأعمش وغير واحد عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ، قَالَ: "يخرج عنق من النار يتكلم، يقول: وكلت اليوم بثلاثة: بكل جبار عنيد، ومن دعا مع الله إلهًا آخر، ومن قتل نفسًا بغير نفس، فتنطوي عليهم، فتقذفهم في غمرات جهنم". خرّجه الإمام أحمد (١).
وخرّجه البزار (٢)، ولفظه: "يخرج عنق من النار، يتكلم بلسان طلق ذلق (٣)، لها عينان تبصر بهما، ولها لسان تكلم به، فتقول: إني أمرت بمن جعل مع الله إلهًا آخر، وبكل جبار [عنيد، وبكل] (*) من قتل نفسًا، فتنطلق بهم قبل سائر الناس بخمسمائة عام". وقد رُوي عن عطية، عن أبي سعيد موقوفًا.
وروى ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم، عن عائشة، عن النبيّ - ﷺ -، قَالَ: يخرج عنق من النار، فتنطوي عليهم وتتغيظ، ويقول ذلك العنق: وكلت بثلاثة، وكلت بمن دعا مع الله إلهًا آخر، ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب، ووكلت بكل جبار عنيد، فتنطوي عليهم، فتطرحهم في غمرات جهنم". خرّجه الإمام أحمد (٤).
_________________
(١) = عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد عن النبيّ ﷺ. وروى أشعث بن سوار عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ ﷺ.
(٢) (٣/ ٤٠).
(٣) أورده الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٩٢) وقال: رواه البزار واللفظ له، وأحمد باختصار وأبو يعلى بنحوه، والطبراني في الأوسط، وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح.
(٤) أي: فصيح بليغ. (*) من المطبوع.
(٥) (٦/ ١١٠).
[ ٤ / ٣٣٣ ]
ورُوي عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد، عن النبيّ ﷺ، قَالَ: "يخرج عنق من النار، فيظل الخلائق كلهم، فيقول: أمرت بكل جبار عنيد، ومن زعم أنّه عزيز كريم، ومن دعا مع الله إلهًا آخر".
ورواه أبو المنهال، سيار بن سلامة، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس موقوفًا، قَالَ: إذا كان [يوم] (*) القيامة، خرج عنق من النار، فأشرفت عَلَى الخلائق، لها عينان تبصران ولسان فصيح، تقول: إلي وكلت بكل جبار عنيد، فتلقطهم من الصفوف، فتحسبهم في نار جهنم، ثم تخرج ثانيًا فتقول: إني وكلت بمن آذى الله ورسوله، فتلقطهم من الصفوف، فتحبسهم في نار جهنم، ثم تخرج ثالثة، قَالَ أبو المنهال: أحسب أنها قالت: إني وكلت اليوم بأصحاب التصاوير، فتلقطهم من الصفوف، فتحسبهم في نار جهنم (١).
وفي حديث الصور الطويل، الَّذِي خرّجه إسحاق بن راهويه، وأبو يعلى الموصلي وغيرهما (٢)، بإسناده فيه ضعيف، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ: يأمر الله تعالى جهنم، فيخرج منها عنق ساطع مظلم، فيقول: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٥٩ - ٦٢].
_________________
(١) (*) من المطبوع.
(٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٥٣)، وابن جرير في "تفسيره" (٣٠/ ١٨٥ - ١٨٦) ضمن حديث طويل.
(٣) وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٢) من طريق إسماعيل بن رافع عمن حديثه عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة فذكره. وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٣٨٦) مطولًا جدًّا من طريق إسماعيل بن رافع عن محمد ابن يزيد عن محمد بن كعب فذكره. وفي إسناده محمد بن يزيد بن أبي زياد وهو مجهول.
[ ٤ / ٣٣٤ ]
وخرج ابن أبي الدُّنْيَا (١)، من طريق الشعبي، عن أبي هريرة قَالَ: يؤتى بجهنم، تقاد بسبعين ألف زمام، آخذ بكل زمام سبعون ألف ملك، وهي تمايل عليهم، حتى توقف عن يمين العرش، ويلقي الله عليها الذل يومئذ، فيوحي الله إليها: ما هذا الذل؟] (*)
فتقول: يا رب، أخاف أن يكون لك في نقمة، فيوحي الله إليها: إِنَّمَا خلقتك نقمة، وليس لي فيك نقمة، ويوحي الله إليها، فتزفر زفرة، لا تبقى دمعة في عين إلاَّ جرت، ثم تزفر أخرى فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل، إلاَّ صعق، إلا نبيكم نبي الرحمة ﵌، يقول: يا رب أمتي أمتي".
وروى عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده، عن أبي عبد الله الجدلي، عن عبادة ابن الصامت وكعب، قالا: يخرج عنق من النار فتقول: أمرت بثلاثة: بمن جعل مع الله إلهًا آخر، وبكل جبار عنيد، وبكل معتد، إلا إني أعرف بالرجل من الوالد بولده، والمولود بوالده.
_________________
(١) "في صفة النار" (١٨٢). (*) من المطبوع، وهو الموافق لسياق ابن أبي الدُّنْيَا المطبوع.
[ ٤ / ٣٣٥ ]