النار خلقها الله تعالى لعصاة الجن والإنس، وبهما تمتليء، قال الله تعالى:
﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها﴾ .
وقال تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ .
وقال تعالى: ﴿ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ .
وقال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم جميعًا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قال النار مثواكم خالدين فيها﴾ .
وقال تعالى حاكيًا عن الجن الذين استمعوا القرآن:
﴿وأنا منا
[ ٤٨ ]
المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا * وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا﴾ .
وقال تعالى: ﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان * فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ .
﴿يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران﴾ إلى قوله
﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان * فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام﴾ .
ولهذا روي «أن النبي ﵌، قرأ هذه السورة على الجن، وأبلغهم إياها، لما تضمنت ذكر خلقهم وموتهم وبعثهم وجزائهم» .
وأما سائر الخلق، فأشرفهم الملائكة، وهم متوعدون على المعصية بالنار، وهم خائفون منها، قال الله تعالى:
﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون * ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين﴾ .
وقد استفاض عن جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، أن هاروت
[ ٤٩ ]
وماروت كانا ملكين، وأنهما خيرا بعد الوقوع في المعصية، بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا لعلمهما بانقضائه، وقد روي في ذلك حديث مرفوع، من حديث ابن عمر، عن النبي ﵌، وخرجه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه، ولكن قد قيل: إن الصحيح أنه موقف على كعب.
وخرج الإمام أحمد، «من حديث أنس عن النبي ﵌، أنه سأل جبريل ﵇، فقال له: مالي لا أرى ميكائيل ﵇ يضحك؟ ! فقال جبريل: ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار» .
روي أيضًا في كتاب الزهد «من حديث أبي عمران الجوني، قال: بلغنا أن جبريل جاء إلى رسول الله ﵌، وجبريل ﵇ يبكي، فقال رسول الله ﵌: ما يبكيك يا جبريل؟ قال: أو ما يبكي أنت يا محمد؟ ما جفت عيناي منذ خلق الله جهنم مخافة أن أعصيه فيلقيني فيها» .
وقد روي نحوه من وجوه أخر مرسلة أيضًا.
وخرج الطبراني «من حديث محمد بن أحمد بن أبي خيثمة، حدثنا محمد بن علي، حدثنا أبي عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمران، أن جبريل جاء إلى النبي ﵌ حزينًا لا يرفع رأسه، فقال له: مالي أراك يا جبريل حزينًا؟ ! قال: إني رأيت نفحة من جهنم، فلم ترجع إلي روحي بعد» .
وقال: لم يرفعه عن زيد إلا علي، تفرد به ابنه محمد بن علي بن خلف، وهذا يدل على أن غيره وقفه.
[ ٥٠ ]
وخرج الطبراني أيضًا، «من طريق سلام الطويل، عن الأجلح الكندي، عن عدي بن عدي الكندي، عن عمر بن الخطاب، قال: جاء جبريل إلى النبي ﵌ في غير حينه الذي كان يأتيه فيه، فقال النبي ﵌: يا جبريل مالي أراك متغير اللون؟ قال: ما جئتك حتى أمر الله بمنافيخ النار، قال: يا جبريل، صف لي النار، وانعت لي جهنم» فذكر الحديث، وسنذكره إن شاء الله تعالى مفرقًا في الكتاب في مواضع، «ثم قال: فقال رسول الله ﵌: حسبي يا جبريل، لا ينصدع قلبي فأموت قال: فنظر رسول الله ﵌ إلى جبريل وهو يبكي، فقال رسول الله ﵌: تبكي يا جبريل، وأنت من الله بالمكان الذي أنت فيه؟ فقال: وما لي لا أبكي، أنا أحق منك بالبكاء، لعلي أن أكون في علم الله، على غير الحال التي أنا عليها، وما أدري لعلي أبتلى بما ابتلي به إبليس، فقد كان مع الملائكة، وما أدري لعلي أبتلي بما ابتلى به هاروت وماروت، قال: فبكى رسول الله ﵌، وبكى جبريل ﵇، فما زالا يبكيان حتى نوديا: يا محمد ويا جبريل، إن الله ﷿ قد أمنكما أن تعصياه، فارتفع جبريل، وخرج رسول الله ﵌، فمر بقوم من الأنصار يضحكون، فقال: تضحكون ووراءكم جهنم؟ ! فلو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، ولما أسغتم الطعام والشراب، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ﷿ فنودي: يا محمد، لا تقنط عبادي، إنما بعثتك ميسرًا ولم ابعثك معسرًا، فقال رسول الله ﵌: سددوا وقاربوا» .
سلام الطويل: ضعيف جدًا.
وروى ابن أبي الدنيا، من حديث أبي فضالة عن أشياخه، قال: إن لله ﷿ ملائكة، لم يضحك أحدهم منذ خلقت جهنم، مخافة أن يغضب الله
[ ٥١ ]
عليهم فيعذبهم.
وبإسناده عن بكر العابد، قال: قلت لجليس لابن أبي ليلى - يكني أبا الحسن ـ: أتضحك الملائكة؟ قال: ما ضحك من دون العرش منذ خلقت جهنم.
وعن محمد بن المنكدر قال: لما خلقت النار طارت أفئدة الملائكة من أماكنها، فلما خلق بنو آدم عادت.
وروى أبو نعيم بإسناده عن طاووس، قال: لما خلقت النار طارت أفئدة الملائكة، فلما خلقت بنو آدم سكنت.
فأما البهائم والوحوش والطير، فقد روي ما يدل على خوفها أيضًا.. قال عامر بن يساف، عن يحيى بن أبي كثير، قال: بلغنا أنه إذا كان يوم نوح داود ﵇ يأتي الوحش من البراري، وتأتي السباع من الغياض، وتأتي الهوام من الجبال، وتأتي الطيور من الأوكار، وتجتمع الناس لذلك اليوم، ويأتي داود ﵇ حتى يرقى على المنبر، فيأخذ في الثناء على ربه، فيضجون بالبكاء والصراخ، ثم يأخذ في ذكر الجنة والنار، فيموت طائفة من الناس وطائفة من السباع وطائفة من الهوام وطائفة من الوحوش وطائفة من الرهبان والعذارى المتعبدان، ثم يأخذ في ذكر الموت وأهوال القيامة ويأخذ في النياحة على نفسه، فيموت طائفة من هؤلاء، وطائفة من هؤلاء، ومن كل صنف طائفة.
خرجه ابن أبي الدنيا.
وأما غير الحيوان من الجمادات وغيرها، فقد أخبر الله سبحاته، أنها تخشاه، قال تعالى:
﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ .
قال
[ ٥٢ ]
ابن أبي نجيح عن مجاهد: كل حجر يتفجر منه الماء ويتشقق عن ماء، أو يتردى عن رأس جبل، فهو من خشية الله ﷿، نزل بذلك القرآن.
وخرج الجوزجاتي وغيره في طريق مجاهد عن ابن عباس، قال: إن الحجر ليقع إلى الأرض، ولو اجتمع عليه الفئام من الناس، ما استطاعوا، وإنه ليهبط من خشية الله.
قال ابن أبي الدنيا: حدثني أحمد بن عاصم بن عنبسة العباداني، حدثنا الفضيل بن العباس - وكان من الأبدال، وكانت الدموع قد أثرت في وجهه، وكان يصوم الدهر، ويفطر كل ليلة على رغيف - قال: مر عيسى ﵇ بجبل بين نهرين، نهر عن يمينه، ونهر عن يساره، ولا يدري من أين يجيء هذا الماء، ولا إلى أين يذهب، قال: أما الذي يجري عن يساري فمن دموع عيني اليسرى، قال: مم ذاك؟ قال: خوف من ربي أنه يجعلني من وقود النار، قال عيسى: فأنا أدعو الله ﷿ أن يهبك لي، فدعا الله فوهبه له، فقال عيسى: قد وهبت لي، قال: فجاء منه الماء حتى احتمل عيسى فذهب به، قال له عيسى، اسكن بعزة الله، فقد استوهبتك من ربي فوهبك لي فما هذا؟ قال، أما البكاء الأول فبكاء الخوف، وأما البكاء الثاني فبكاء الشكر.
قال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: إن القمر ليبكي من خشية الله.
قال طاووس: إن القمر ليبكي من خشية الله ولا ذنب له، ولا يسأل عن عمل ولا يجازي به.