قال الله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون * لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون﴾ .
وقال تعالى: ﴿وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا * إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا﴾ .
وقال تعالى: ﴿وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير * إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور * تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير﴾ .
والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار.
قال الربيع بن أنس: الشهيق في الصدر، وقال مجاهد في قوله ﴿وهي تفور﴾ قال: تغلي بهم كما يغلي القدر، وقال ابن عباس: تميز: تفرق، وعنه قال: يكاد يفارق بعضها بعضًا
[ ١٠٥ ]
وتتفطر، وعن الضحاك تميز: تفطر، وقال ابن زيد: التميز: التفرق من شدة الغيظ على أهل معاصي الله ﷿، غضبًا له ﷿، وانتقامًا له.
وخرج ابن أبي حاتم، «من حديث خالد بن دريك، عن رجل من الصحابة، قال: قال رسول الله ﵌: من تقول علي ما لم أقل، فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدًا قيل: يا رسول الله وهل لها عينان، قال نعم، أو لم تسمع قول الله ﷿: ﴿إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا﴾» .
وروى أبو يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: إن العبد ليجر إلى النار، فتشهق إليه شهقة البغلة إلى الشفير، ثم تزفر زفرة، لا يبقى أحد إلا خاف.
خرجه ابن أبي حاتم.
وقال كعب: ما خلق الله من شيء، إلا وهو يسمع زفير جهنم ن غدوة وعشية، إلا الثقلين، اللذين عليهما الحساب والعذاب.
خرجه الجوزجاني.
وفي كتاب الزهد لهناد بن السري، عن مغيث بن سمي، قال: إن لجهنم كل يوم زفرتين، يسمعهما كل شيء إلا الثقلين اللذين عليهما الحساب والعذاب.
وعن الضحاك قال: إن لجهنم زفرة يوم القيامة، لا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل، إلا خر ساجدًا، يقول: رب نفسي نفسي.
وعن عبيد بن عمير، قال: تزفر جهنم زفرة، لا يبقى ملك، ولا نبي، إلا وقع لركبتيه، ترعد فرائصه، يقول: رب نفسي نفسي.
وروى ابن أبي الدنيا وغيره، عن الضحاك، قال: ينزل الملك الأعلى في بهائه وملكه، مجنبته اليسرى جهنم، فيسمعون شهيقها وزفيرها فيندون.
[ ١٠٦ ]
وعن وهب بن منبه، قال إذا سيرت الجبال، فسمعت حسيس النار وتغيظها وزفيرها وشهيقها، صرخت الجبال كما تصرخ النساء، ثم يرجع أوائلها على أواخرها، يدق بعضها بعضًا.
خرجه الإمام أحمد.
وفي تفسير آدم بن أبي إياس عن محمد بن الفضل، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال: تزفر جهنم زفرة، لا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل، إلا جثا على ركبتيه حول جهنم، فتطيش عقولهم، فيقول الله ﷿: ماذا أجبتم المرسلين؟ قالوا: لا علم لنا، ثم ترد عليهم عقولهم، فينطقون بحجتهم، وينطقون بعذرهم.
محمد بن الفضل، هو ابن عطية، متروك.
قال آدم: وحدثنا أبو صفوان، عن عاصم بن سليمان الكوزي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظًا وزفيرًا﴾ المكان البعيد: مسيرة مائة عام، وذلك، أنه إذا أتي بجهنم، تقاد بسعبن ألف زمام، يشد بكل زمام سبعون ألف ملك، ولو تركت لأتت على كل بر وفاجر، ثم تزفر زفرة، لا يبقى قطرة من دمع إلا بدرت، ثم تزفر الثانية، فتنقطع القلوب من أماكنها، تبلغ اللهوات والحناجر، وهو قوله:
﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾ .
وعاصم الكوزي ضعيف جدًا.
وقال الليث بن سعد، عن عبيد الله بن أبي جعفر: إن جهنم لتزفر زفرة، تنشق منها قلوب الظلمة، ثم تزفر أخرى، فيطيرون في الأرض، حتى يقعوا على رؤوسهم.
خرجه عبد الله بن الإمام أحمد.
وروى أسد بن مرسى، عن إبراهيم بن محمد، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، مثله.
[ ١٠٧ ]
وخرج أبو النعيم، وغيره، من رواية عبد الرحمن بن حاطب، قال عمر ﵁ الله عنه لكعب: خوفنا، قال: والذي نفسي بيديه، إن النار لتقرب يوم القيامة، لها زفير وشهيق، حتى إذا دنت وقربت، زفرت زفرة، ما خلق الله من نبي ولا شهيد، إلا وجب لركبتيه ساقطًا، حتى يقول كل نبي، وكل صديق، وكل شهيد: اللهم لا أكلفك اليوم إلا نفسي، ولو كان لك يا ابن الخطاب عمل سبعين نبيًا، لظننت أن لا تنجو.
قال عمر: والله إن الأمر لشديد.
ومن رواية شريح بن عبيد قال: قال عمر لكعب: خوفنا، قال: والله لتزفرن جهنم زفرة، لا يبقى ملك مقرب، ولا غيره، إلا خر جاثيًا على ركبتيه، يقول: رب نفسي نفسي، وحتى نبينا محمد، وإبراهيم، وإسحاق، عليهم الصلاة والسلام، قال: فأبكى القوم حتى نشجوا.
وفي رواية مطرف بن الشخير، عن كعب، قال: كنت عند عمر، فقال: يا كعب، خوفنا، فقلت يا أمير المؤمنين، إن جهنم لتزفر يوم القيامة زفرة، لا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل، إلا ساجدًا على ركبتيه، حتى إن إبراهيم خليله ﵇ ليخر جاثيًا، ويقول: نفسي نفسي، لا أسألك اليوم إلا نفسي، قال: فأطرق عمر مليًا، قال: قلت: يا أمير المؤمنين، أولستم تجدون هذا في كتاب الله ﷿؟ قال عمر: كيف؟ يقول الله ﷿ في هذه الآية:
﴿يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون﴾ .
وكان سعيد الجرمي، يقول في موعظته، إذا وصف الخائفين، كأن زفير النار في آذانهم.
[ ١٠٨ ]
وعن الحسن، أنه قال في وصفهم: إذا مروا بآية، فيها ذكر الجنة، بكوا شوقًا، وإذا مر بآية، فيها ذكر النار، ضجوا صراخًا، كأن زفير جهنم عند أصول آذانهم.
وروى ابن أبي الدنبا، وغيره عن أبي وائل، قال خرجنا مع ابن مسعود، ومعنا الربيع بن خيثم، فأتينا على تنور على شاطئ الفرات، فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه قرأ هذه الآية
﴿إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظًا وزفيرًا﴾ .
إلى قوله: ﴿ثبورًا﴾
فصعق الربيع بن خيثم، فاحتملناه إلى أهله، فرابطه عبد الله حتى صلى الناس الظهر، فلم يفق، ثم رابطه العصر فلم يفق، ثم رابطه إلى المغرب فأفاق، فرجع عبد الله إلى أهله.
ومن رواية ممسع بن عاصم، قال: بت أنا وعبد العزيز بن سليمان وكلاب ابن الجري، وسلمان الأعرج، على ساحل من بعض السواحل، فبكى كلاب حتى خشيت أن يموت، ثم بكى عبد العزيز لبكائه، ثم بكى سلمان لبكائهما، وبكيت ولله لبكائهم، لا أدري ما أبكاهم، فلما كان بعد، سألت عبد العزيز فقلت: يا أبا محمد ما الذي أبكاك ليلتئذ؟ قال: إني والله نظرت إلى أمواج البحر، تموج وتجيل، فذكرت أطباق النيران وزفراتها، فذلك الذي أبكاني، ثم سألت كلابًا أيضًا نحوًا مما سألت عبد العزيز، فو الله لكأنما سمع قصته، فقال لي مثل ذلك، ثم سألت الأعرج نحوًا مما سألتهما، فقال لي: ما كان في القوم شر مني، ما كان بكائي إلا لبكائهم، رحمة لهم مما كانوا يصنعون بأنفسهم، رحمهم الله تعالى.
[ ١٠٩ ]