قال الله تعالى: ﴿إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالًا وسعيرًا﴾ .
قال الله تعالى: ﴿وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا﴾ .
وقال الله تعالى: ﴿إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون * في الحميم ثم في النار يسجرون﴾ .
وقال: ﴿خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه * ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه﴾ .
وقال تعالى: ﴿إن لدينا أنكالا وجحيما * وطعاما ذا غصة وعذابا أليما﴾ .
وقرأ ابن عباس
﴿والسلاسل يسحبون﴾ بنصب
[ ١٢٤ ]
السلاسل وفتح ياء يسحبون، قال: هو أشد عليهم، هم يسحبون السلاسل.
خرجه ابن أبي حاتم.
فهذه ثلاثة أنواع:
أحدها: الأغلال: وهي في الأعناق، كما ذكر سبحانه.
قال الحسن بن صالح: الغل: تغل اليد الواحدة إلى العنق، والصفد اليدان إلى العنق.
خرجه ابن أبي الدنيا.
وقال أسباط عن السدي، الأصفاد تجمع اليدين إلى العنق.
وقال معمر، عن قتادة في قوله: ﴿مقرنين في الأصفاد﴾ .
قال: مقرنين في القيود والأغلال.
قال عينة بن الغصن، عن الحسن: إن الأغلال لم تجعل في أعناق أهل النار لأنهم أعجزوا الرب ﷿، ولكنها إذا طفا بهم اللهب أرستهم، قال: ثم خر الحسن مغشيًا عليه ! ! .
وقال سيار بن حاتم: حدثنا مسكين، عن حوشب، عن الحسن، أنه ذكر النار فقال: لو أن غلًا منها، وضع على الجبال لقصمها إلى الماء الأسود، ولو أن ذراعًا من السلسلة، وضع على جبل لرضه.
وروى ابن أبي الحاتم، بإسناده عن موسى بن أبي عائشة، أنه قرأ قوله تعالى:
﴿أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة﴾ .
قال: تشد أيديهم بالأغلال في النار، فيستقبلون العذاب بوجوههم، قد شدت أيديهم، فلا يقدرون على أن يتقوا بها، كلما جاء نوع من العذاب يستقبلون بوجوههم.
وبإسناده عن فيض بن إسحاق، عن فضيل بن عياض: إذا قال الرب
[ ١٢٥ ]
﵎: ﴿خذوه فغلوه﴾ .
تبدره سبعون ألف ملك، كلهم يتبدر أيهم يجعل الغل في عنقه.
النوع الثاني: الأنكال: وهي القيود، قال مجاهد والحسن وعكرمة وغيرهم، قال الحسن: قيود من نار.
قال أبو عمران الجوني: قيود لا تحل والله أبدًا، وو احد الأنكال: نكل، وسميت القيود أنكالًا لأنه ينكل بها، أي يمنع.
وروى أبو سنان، عن الحسن: أما وعزته، ما قيدهم مخافة أن يعجزوه، ولكن قيدهم لترسي في النار.
وقال الأعمش: الصفد: القيود: وقوله تعالى: ﴿مقرنين في الأصفاد﴾ القيود، وقد سبق عن أبي صالح في قوله: ﴿في عمد ممددة﴾ .
قال: القيود الطوال.
النوع الثالث: السلاسل: خرج الإمام أحمد وغيره، من طريق أبي السمح، «عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﵌: لو أن رصاصة مثل هذه - وأشار إلى مثل الجمجمة - أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمسمائة عام، لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة، لسارت أربعين خريفًا، الليل والنهار، قبل أن تبلغ أصولها» .
غريب، وفي رفعه نظر، والله أعلم.
[ ١٢٦ ]
وفي حديث عدي الكندي، «عن عمر، أن جبريل قال للنبي ﵌: لو أن حلقة من سلسلة أهل النار، التي نعت الله في كتابه، وضعت على جبال الدنيا، لانقضت ولم يردها شيء، حتى تنتهي إلى الأرض السابعة السفلى» خرجه الطبراني وسبق على إسناده.
وروى سفيان، عن بشير عن نوف الشامي، في قوله تعالى:
﴿ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعًا فاسلكوه﴾ .
قال: إن الذراع سبعون باعًا، والباع من ههنا إلى مكة - وهو يومئذ بالكوفة.
وقال ابن المبارك: أنبأنا بكار، عن عبد الله، سمع ابن أبي مليكة يحدث، أن كعبًا قال: إن حلقة من السلسلة التي قال الله: ﴿ذرعها سبعون ذراعًا﴾ إن حلقة منها أكثر من حديد الدنيا.
وقال ابن جريح في قوله: ﴿ذرعها سبعون ذراعًا﴾ قال: بذراع الملك.
وقال ابن المنكدر: لو جمع حديد الدنيا كله، ما خلا منها وما بقي، ما عدل حلقة من الحلق التي ذكر الله في كتابه تعالى فقال: ﴿في سلسلة ذرعها سبعون ذراعًا﴾ أخرجه أبو نعيم.
قال ابن المبارك، عن سفيان، في قوله: ﴿فاسلكوه﴾ قال: بلغنا أنها تدخل في دبره حتى تخرج منه.
وقال ابن جريح: قال ابن عباس: السلسلة تدخل في أسته، ثم تخرج من فيه، ثم ينظمون فيها، كما ينظم الجراد في العود حتى يشوي.
خرجه ابن أبي الحاتم.
وخرج أيضًا من رواية العوفي عن ابن عباس، قال: تسلك في دبره حتى تخرج من منخريه، حتى لا يقوم على رجليه.
[ ١٢٧ ]
وخرج ابن أبي الدنيا، من طريق خلف بن خليفة، عن أبي هاشم قال: يجعل لهم أوتاد في جهنم، فيها سلاسل، فتلقى في أعناقهم، فتزفر جهنم زفرة، فتذهب بهم مسيرة خمسمائة سنة، ثم تجيء بهم في يوم، فذلك قوله:
﴿وإن يومًا عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾ .
ومن طريق أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، قال: لو انفلت رجل من أهل النار بسلسلة لزالت الجبال.
وقال جويبر عن الضحاك، في قوله: ﴿فيؤخذ بالنواصي والأقدام﴾ .
يجمع بين ناصيته وقدميه، في سلسلة من وراء ظهره.
وقال السدي: في هذه الآية: يجمع بين ناصية الكافر وقدميه، فتربط ناصيته بقدمه وظهره، ويفتل.
وذكر الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: يؤخذ بناصيته وقدميه، ويكسر ظهره كما يكسر حطب في التنور.
وقال سيار بن حاتم: حدثنا مسكين، عن حوشب، عن الحسن، قال: إن جهنم ليغلى عليها من الدهر إلى يوم القيامة، يحمى طعامها وشرابها وأغلالها، ولو أن غلا منها وضع على الجبال لقمصها إلى الماء الأسود، ولو أن ذراعًا من السلسلة وضع على جبل لرضه، ولو أن جبلًا كان بينه وبين عذاب الله ﷿ مسيرة خمسمائة عام لذاب ذلك الجبل، وإنهم ليجمعون في السلسلة من آخرهم فتأكلهم النار وتبقى الأرواح.
ورواه ابن أبي الدنيا، «عن عبد الله بن عمر الجشمي، عن المنهال بن عيسى العبدي، عن حوشب، عن الحسن، عن النبي ﵌، فذكره بمعناه، وزاد في آخره: تبقى الأرواح في الحناجر تصرخ» .
والموقوف أشبه.
[ ١٢٨ ]
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: أخبرت عن يسار، عن ابن المعزى - وكان من خيار الناس - قال: بلغني أن الأبدان تذهب وتبقى الأرواح في السلاسل.
وخرج الطبراني وابن أبي حاتم، «من طريق منصور بن عمار، حدثنا بشير بن طلحة، عن خالد بن الدريك، عن يعلى بن منية، رفع الحديث إلى النبي ﵌، قال: ينشئ الله سبحانه لأهل النار سحابة سوداء مظلمة، فيقال: يا أهل النار أي شيء تطلبون؟ فيذكرون بها سحابة الدنيا، فيقولون: يا ربنا الشراب، فتمطرهم أغلالًا تزيد في أغلالهم، وسلاسل تزيد في سلاسلهم، وجمرًا يلتهب عليهم» .
وخرجه ابن أبي الدنيا موقوفًا لم يرفعه.
وروى أبو جعفر الرازي، «عن الربيع بن أنس عن أبي العالية وغيره، عن أبي هريرة، فذكر قصة الإسراء بطولها، وفيها قال: ثم أتى على واد - يعني النبي ﵌ فسمعه صوتًا منكرًا، ووجد ريحًا منتنة، فقال: ما هذا يا جبريل؟ فقال: هذا صوت جهنم تقولى: رب، آتني ما وعدتني، فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وغساقي وعذابي، وقد بعد قعري، واشتد حري، فآتني ما وعدتني.
قال: لك كل مشرك ومشركة، وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب» .
[ ١٢٩ ]