خرج مسلم في صحيحه «من حديث أنس عن رسول الله ﵌ أنه قال: والذي نفسي بيده، لو رأيتم ما رأيت، لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار» .
وفي الصحيحين «عن ابن عباس أن النبي ﵌: قال: ما كسفت الشمس رأيت النار، فلم أر منظرًا كاليوم قط أفظع منها» .
[ ٤٣ ]
وروى ألاعمش «عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعًا: لو أبرزت النار للناس ما رآها أحد إلا مات» .
وروي موقوفًا.
وخرج أبو يعلى الموصلي في مسنده وغيره من «من حديث ابن عمر عن النبي ﵌ أنه خطب فقال: لا تنسوا العظيمتين: الجنة والنار ثم بكى حتى جرى وبلت دموعه جانبي لحيته ثم قال: والذي نفس محمد بيده، لو تعلمون ما أعلم عن الآخرة، لمشيتم إلى الصعدات، ولحثيتم على رؤوسكم التراب» .
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، عن معسر عن عبد الأعلى: ما جلس قوم مجلسًا، فلم يذكروا الجنة والنار، إلا قالت الملائكة: أغفلوا العظيمتين؟ ! .
وعن عامر بن يساف، عن يحيى بن أبي كثير، قال: قطع قلوب الخائفين، طول الخلودين في الجنة أو النار.
وعن ابن السماك، قال: قطع قلوب العارفين بالله، ذكر الخلودين الجنة والنار.
وعن بكر المزني، أن أبا موسى الأشعري خطب الناس بالبصيرة، فذكر في خطبته النار، فبكى حتى سقطت دموعه على المنبر، قال: وبكى الناس يومئذ بكاء شديدًا.
وعن إبراهيم بن محمد البصري قال: نظر عمر بن عبد العزيز إلى رجل عنده متغير اللون، فقال له: ما الذي أرى بك؟ قال: أسقام وأمراض يا أمير
[ ٤٤ ]
المؤمنين إن شاء الله، فأعاد عليه عمر، فأعاد عليه الرجل مثل ذلك ثلاث مرات، فقال إذا أبيت إلا أن أخبرك، فإني ذقت حلاوة الدنيا، فصغر في عيني زهرتها وملاعبها، واستوى عندي حجارتها وذهبها، ورأيت كأن الناس يساقون إلى الجنة وأنا أساق إلى النار، فأسهرت لذلك ليلى، واظمأت له نهاري، وكل ذلك صغير حقير في جنب عفو الله وثواب الله ﷿ وجنب عقابه.
وهذا الكلام يشبه حديث حارثة المشهور، وهو حديث روي من وجوه مرسلًا، وروي مسندًا متصلًا من «رواية يوسف بن عطية الصفار، وفيه ضعف، عن ثابت عن أنس أن النبي ﵌ قال لشاب من الأنصار: كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنًا بالله حقًا، قال: انظر ما تقول، فإن لكل قول حقيقة قال: يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني بعرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتعاؤون فيها، قال: أبصرت فالزم، عبد نور الله الإيمان في قلبه» والمرسل أصح.
وقال أحمد بن أبي الحواري: حدثنا علي بن أبي الحر، قال: أوحى الله إلى يحيى بن زكريا ﵇: يا يحيى، وعزتي، لو اطلعت إلى الفردوس اطلاعة، لذاب جسمك، ولزهقت نفسك اشتياقًا، ولو اطلعت إلى جهنم اطلاعة لبكيت بالصديد بعد الدموع، وللبست الحديد بعد المسوح.
وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده عن سفيان، قال: كان عمر بن عبد العزيز ساكتًا وأصحابه يتحدثون، فقالوا: مالك لا تتكلم يا أمير المؤمنين، قال: كنت مفكرًا في أهل الجنة كيف يتزاورون فيها، وفي أهل النار كيف يصطرخون فيها، ثم بكى.
[ ٤٥ ]
وعن مغيث الأسود أنه كان يقول: زوروا القبور كل يوم بفكركم، وتوهموا جوامع الخير كل يوم بعقولكم، وشاهدوا الموقف كل يوم بقلوبكم، وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة والنار بهممكم، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها.
وعن صالح المري أنه قال: للبكاء دواعي الفكرة في الذنوب، فإن أجابت على ذلك القلوب وإلا نقلتها إلى الموقف وتلك الشدائد والأهوال، فإن أجابت إلى ذلك وإلا فاعرض عليها التقلب بين أطباق النيران، قال: ثم صاح، فغشي عليه، وتصايح الناس من جوانب المسجد.
وعن أبي سليمان الداراني، قال: خرج مالك بن دينار بالليل إلى قاعة الدار وترك أصحابه في البيت، فأقام إلى الفجر قائمًا في وسط الدار، فقال لهم: إني كنت في وسط الدار خطر ببالي أهل النار، فلم يزالوا يعرضون علي بسلاسلهم وأغلالهم حتى الصباح.
وكان سعيد الجرمي يقول في وصف الخائفين: إذا مروا بآية من ذكر النار، صرخوا منها فرقًا، كأن زفير النار في آذانهم، وكآن الآخرة، نصب أعينهم.
وقال الحسن: إن لله عبادًا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين، وكمن رأى أهل النار في النار معذبين.
وقال أيضًا: والله ما صدق عبد بالنار قط إلا ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وإن المنافق لو كانت النار خلف ظهره، لم يصدق بها حتى يهجم عليها.
وقال وهب بن منبه: كان عابد في بني إسرائيل قام في الشمس يصلي حتى اسود وتغير لونه، فمر به إنسان، فقال: كأن هذا حرق بالنار، قال: إن هذا من ذكرها، فكيف بمعاينتها؟ ! .
[ ٤٦ ]
وقال ابن عيينة قال إبراهيم التيمي: مثلت نفسي في الجنة، آكل من ثمارها، وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار، آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا، فأعمل صالحًا، قال: فأنت في الأمنية فاعملي.
[ ٤٧ ]