روى الأمام أحمد، بإسناد فيه نظر، «عن يعلى بن أمية، عن النبي ﵌، قال: البحر هو جهنم فقالوا ليعلى، قال: ألا ترون أن الله ﷿ يقول:
﴿نارًا أحاط بهم سرادقها﴾ .
لا والذي نفس يعلى بيده، لا أدخلها أبدًا حتى أعرض على الله ﷿، ولا يصيبني منها قطرة حتى ألقى الله ﷿» .
وهذا إن ثبت، فالمراد به أن البحار تفجر يوم القيامة، فتصير بحرًا واحدًا، ثم تسجر ويوقد عليها، فتصير نارًا، وتزاد في نار جهنم.
وقد فسر غير واحد من السلف قوله تعالى:
﴿وإذا البحار سجرت﴾ .
بنحو هذا.
وروى المبارك بن فضالة، عن كثير أبي محمد، عن ابن عباس قال: تسجر حتى تصير نارًا.
وروى مجاهد، عن شيخ من بجيلية، عن ابن عباس ﴿وإذا البحار سجرت﴾ قال: تكور الشمس والقمر والنجوم في البحر، فيبعث الله عليها ريحًا دبورًا، فتنفخه حتى يرجع نارًا.
خرجه ابن أبي الدنيا وابن أبي الحاتم.
[ ٦٤ ]
وخرج ابن أبي الدنيا، وابن أبي الحاتم أيضًا، من طريقي مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس في قوله تعالى:
﴿وإن جهنم لمحيطة بالكافرين﴾ [التوابة: ٤٩] .
قال: هو هذا البحر تنتثر الكواكب فيه، وتكور الشمس والقمر، فيمون هو جهنم.
وروى ابن جرير بإسناده، عن سعيد بن المسيب، عن علي أنه قال رجل من اليهود: أين جهنم؟ قال: البحر، قال علي: ما أراه إلا صادقًا، قال تعالى: ﴿والبحر المسجور﴾ وقال ﴿وإذا البحار سجرت﴾ .
ورواه آدم بن أبي إياس في تفسيره عن حمادة بن سلمة عن داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب، قال: قال علي ليهودي: أين جهنم؟ قال: تحت البحر، قال علي: صدق، ثم قرأ ﴿وإذا البحار سجرت﴾ وخرجه في موضوع أخر منه، وفيه ثم قال ﴿والبحر المسجور﴾ .
وخرج ابن أبي حاتم بإسناده، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب
﴿وإذا البحار سجرت﴾ .
قال: قالت الجن للإنس: تأتيكم بالخير، فانطلقوا إلى البحر، فإذا هو نار تأجج.
وعن ابن لهيعة، عن أبي قبيل، قال: إن البحر الأخضر هو جهنم.
وروى أبو نعيم بإسناده، عن كعب في قوله تعالى:
﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات﴾ .
قال: تبدل السموات فتصير جنانًا، وتبدل الأرض فيصير مكان البحر النار.
وقد سبق عن ابن عباس أنه قال: النار سبعة أبحر مطبقة.
وروي عن عبد الله بن عمرو، ﵄، أنه قال: لا يتوضأ بماء البحر لأنه طبق جهنم، وكذا قال سعيد بن أبي الحسن أخو البصري: البحر طبق جهنم.
[ ٦٥ ]
وفي سنن أبي داود «عن عبد الله بن عمرو، ﵄، عن النبي ﵌، قال لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله، فإن تحت البحر نارًا وتحت النار بحرًا» .
وخرج ابن أبي حاتم بإسناده، عن معاوية بن سعيد، قال: إن هذا البحر - يعني بحر الروم - وسط الأرض والأنهار كلها تصب فيه، والبحر الكبير يصب فيه، وأسفله آبار كله مطبقة بالنحاس، فإذا كان يوم القيامة أسجر.
وذكر ابن أبي الدنيا عن العباس بن يزيد البحراني، قال: سمعت الوليد بن هشام وقلت له: عمن أخذت هذا؟ قال: عن رجل من أهل الكتاب، أسلم فحسن إسلامه، قال: لما التقم الحوت يونس ﵇ جال به الأبحر السبعة، فلما كان آخر ذلك، انتهى به الحوت إلى قعر البحر، موضع يلي قعر جهنم، فسبح يونس في بطن الحوت، فسمع قارون تسبيحه وهو في النار، وذكر بقية الخبر.
وروى قيس بن الربيع، «عن عبيد المكتب، عن مجاهد، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﵌: إن جهنم محيطة بالدنيا، وإن الجنة من ورائه، فلذلك كان الصراط على جهنم طريقًا إلى الجنة» غريب منكر.
وقد روي عن بعضهم ما يدل على أن النار في السماء، وروى مجاهد قال في قوله تعالى:
﴿وفي السماء رزقكم وما توعدون﴾
قال: الجنة والنار، وكذا قال جوبير عن الضحاك.
وروى عاصم، «عن زر، عن حذيفة، أن النبي ﵌، قال: أوتيت بالبراق، فلم نزايل طرفه أنا وجبريل حتى أتينا بيت المقدس، وفتحت لنا أبواب السماء، ورأيت الجنة والنار» خرجه الإمام أحمد وغيره، قال في رواية المروذي وفي حديث حذيفة، «أن النبي ﵌ قال: رأيت ليلة أسري بي الجنة والنار في السماء، فقرأت هذه الآية: وفي السماء رزقكم وما توعدون» .
[ ٦٦ ]
فكأني لم أقرأها قط وهو تصديق لما قاله حذيفة، نقله عنه الخلال في كتاب السنة وهذا اللفظ الذي احتج به الإمام أحمد لم نقف عليه بعد في حديثه، وإنما روي عنه ما تقدم.
وروي عن حذيفة، أنه قال: والله ما زايل البراق حتى فتحت لهما أبواب السماء، ورأيا الجنة والنار وو عد الله الآخرة أجمع، ولم يرفعه، وهذا كله ليس بصريح في أنه رأى النار في السماء كما لا يخفي.
وأيضًا، فعلى تقدير صحة ذلك اللفظ، لا يدل على أن النار في السماء، وإنما يدل على أنه رآها وهو في السماء، والميت يرى في قبره الجنة والنار وليست الجنة في الأرض.
وقد رأى النبي، ﵌، في صلاة الكسوف، الجنة والنار وهو في الأرض، وكذلك في بعض طرق الإسراء حديث أبي هريرة، أنه مر على أرض الجنة والنار، في مسيره إلى بيت المقدس، ولم يدل شيء
[ ٦٧ ]
من ذلك على أن الجنة والأرض، فحديث حذيفة إن ثبت أنه رأى الجنة والنار في السماء، فالسماء ظرف للرؤية لا للمرئي، والله أعلم.
وفي حديث أبي هارون العبدي، وهو ضعيف جدًا، عن أبي سعيد الخدري، في صفة الإسراء، أنه ﵌، رأى الجنة والنار فوق السموات، ولو صح، ولو صح لحمل على ما ذكرناه أيضًا.
وقد روى القاضي أبو يعلى، بإسناد جيد، عن أبي بكر المروذي، أن الإمام أحمد فسر له من القرآن آيات متعددة، فكان مما فسره له قوله تعالى: ﴿وإذا البحار سجرت﴾ قال: أطباق النيران، ﴿والبحر المسجور﴾ قال: جهنم، وهذا يدل على أن النار في الأرض، بخلاف عن المروذي، والله أعلم.
وأما المروي عن مجاهد، فقد تأوله بعضهم على أن المراد أن أعمال الجنة والنار مقدرة في السماء من الخير والشر، وقد صرح بذلك مجاهد في رواية أخرى عنه.
وقد ورد في بعض طرق حديث الإسراء، انه ﵌ رأى جهنم في طريقه إلى بيت المقدس، وروي عن عبادة بن الصامت أنه وقف على سور بيت المقدس الشرقي يبكي، وقال: ههنا أخبرنا رسول الله ﵌ أنه رأى جهنم.
[ ٦٨ ]