ولا يزال أهل جهنم في رجاء الفرج إلى أن يذبح الموت، فحينئذ يقع منهم الإياس، وتعظم عليهم الحسرة والحزن.
وفي الصحيحين، «عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وآله
[ ٢٠٨ ]
وسلم، قال: يجاء بالموت يوم القيامة، كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم هذا الموت، ويقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت.
ثم قرأ رسول الله ﵌:
﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون﴾» .
وخرجه الترمذي بمعناه وزاد «فلولا أن الله قضى لأهل الجنة بالحياة والبقاء، لماتوا فرحًا، ولولا أن الله قضى لأهل النار بالحياة والبقاء، لماتوا ترحًا» .
وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه معناه، «من حديث أبي هريرة، عن النبي ﵌، قال فيه: إن أهل الجنة يطلعون، خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، وإن أهل النار يطلعون، مستبشرين فرحين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه» .
وفي رواية الترمذي: «مستبشرين يرجون الشفاعة» .
وخرجاه في الصحيحين «من حديث ابن عمر، عن النبي صلى الله
[ ٢٠٩ ]
عليه وآله وسلم بمعناه، وفي حديثه فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم» .
وخرجه الترمذي، من حديث أبي سعيد، عن النبي ﵌ مختصرًا، وفيه: «فلو أن أحدًا مات فرحًا لمات أهل الجنة، ولو أن أحدًا مات حزنًا لمات أهل النار» .
وخرجه ابن أبي حاتم، بإسناده، عن ابن مسعود، من قوله نحو هذا المعنى غير مرفوع، وزاد: «أنه ينادى أهل الجنة وأهل النار: هو الخلود أبدًا الآبدين» .
قال: فيفرح أهل الجنة فرحة، لو كان أحد ميتًا من فرحه لماتوا، ويشهق أهل النار شهقة، لو كان أحد ميتًا من شهقه لماتوا، فذلك قوله:
﴿وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين﴾
وقوله تعالى: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر﴾ .
وروى ابن أبي الدنيا، بإسناده، عن هشام بن حسان، قال: مر عمر بن الخطاب بكثيب من رمل فبكى، فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: ذكرت أهل النار، فلو كانوا مخلدين في النار بعدد هذا الرمل، كان لهم أمد يمدون إليه أعناقهم، ولكنه الخلود أبدًا.
وقد روي عن ابن مسعود هذا المعنى أيضًا مرفوعًا وموقوفًا، وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.