﴿نحن جعلناها تذكرة﴾ قال مجاهد وغيره: يعني أن نار الدنيا تذكر بنار الآخرة.
وقال أبو حيان التيمي: سمعت منذ ثلاثين سنة أن عبد الله بن مسعود مر على الذين ينفخون على الكير فسقط، خرجه الإمام أحمد.
وخرج ابن أبي الدنيا من رواية سعد بن الأخرم، قال: كنت أمشي مع ابن مسعود فمر بالحدادين وقد أخرجوا حديدًا من النار، فقام ينظر إليه ويبكي.
وعن عطاء الخراساني، كان أويس القرني يقف على موضع الحدادين فينظر إليهم كيف ينفخون الكير، ويسمع صوت النار، فيصرخ، ثم يسقط.
[ ٣٥ ]
وعن ابن أبي الذباب، أن طلحة وزيدًا مرا بكير حداد، فوقفا ينظران إليه يبكيان.
قال الأعمش: أخبرني من رأى الربيع بن خيثم مر بالحدادين، فنظر إلى الكير وما فيه، فخر.
وقال مطر الوراق، كان جمعة وهرم بن حيان إذا أصبحا غديا فمرا بأكورة الحدادين، فنظرا إلى الحديد كيف ينفخ، فيقفان ويبكيان، ويستجيران من النار.
وقال حماد بن سلمة عن ثابت: كان بشير بن كعب وقراء البصرة يأتون الحدادين، فينظرون إلى شهيق النار، فيتعوذون بالله من النار.
وعن العلاء بن محمد قال دخلت على عطاء السلمي فرأيته مغشيًا عليه، فقلت لامرأته ما شأنه؟ قالت: سجرت جارة لنا التنور، فلما نظر إليه غشي عليه.
وعن معاوية الكندي قال: مر عطاء السلمي على صبي معه شعلة نار، فأصابت النار الريح، فسمع ذلك منها، فغشي عليه.
قال الحسن: كان عمر، ﵁، ربما توقد له النار، ثم يدني يديه منها، ثم يقول: يا ابن الخطاب هل لك على هذا صبر؟ ! .
وكان الأحنف بن قيس، يجيء إلى المصباح بالليل، فيضع أصبعه فيه، ثم يقول: حس حس، ثم يقول: يا حنيف، ما حملك على صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ .
وقال البختري بن حارثة: دخلت على عابد، فإذا بين يديه نار قد أججها، وهو يعاتب نفسه، ولم يزل يعاتبها حتى مات.
[ ٣٦ ]
وكان كثير من الصالحين يذكر النار وأنواع عذابها برؤية ما يشبهه بها في الدنيا، أو يذكره بها، كرؤية البحر وأمواجه، والرؤوس المشوية، وبكاء الأطفال، وفي الحر والبرد، وعند الطعام والشراب، وغير ذلك، وسنذكر ما تيسر من ذلك مفرقًا في مواضعه إن شاء الله تعالى.
وقد سبق أن منهم من كان يذكر النار بدخول الحمام، وروى ليث «عن طلحة، قال: انطلق رجل من ذات يوم، فنزع ثيابه، وتمزغ في الرمضاء وهو يقول لنفسه: ذوقي نار جهنم ذوقي
﴿نار جهنم أشد حرًا﴾ .
جيفة بالليل، بطالة بالنهار؟ !
فبينا هو كذلك إذا أبصر النبي ﷺ في ظل شجرة، فأتاه، فقال: غلبتني نفسي، فقال له النبي ﷺ: ألم يكن لك بد من الذي صنعت؟ لقد فتحت لك أبواب السماء، ولقد باهى الله بك الملائكة» خرجها «ابن أبي الدنيا»، وهو مرسل، وخرج الطبراني نحوه من حديث بريدة موصولًا، وفي إسناده من لا يعرف حاله، والله أعلم.