والقدر الواجب من الخوف، ما خمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات، والتبسط في فضول المباحات، كان ذلك فضلًا محمودًا، فإن تزايد على ذلك بأن أوراث مرضًا أو موتًا أو همًا لازمًا بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوية المحبوبة لله ﷿، لم يكن محمودًا، ولهذا كان السلف يخافون على عطاء السلمي من
[ ٢٨ ]
شدة خوفه الذي أنساه القرآن، وصار صاحب فراش، وهذا لأن خوف العقاب ليس مقصودًا لذاته، إنما هو سوط يساق به المتواني عن الطاعة إليها، ومن هنا كانت النار من جملة نعم الله على عباده الذين خافوه واتقوه، ولهذا المعنى عدها الله سبحانه من جملة آلائه على الثقلين في سورة الرحمن.
وقال سفيان بن عيينة: خلق الله النار رحمة يخوف بها عباده لينتهوا.
أخرجه أبو نعيم.
والمقصود الأصلي هو طاعة الله ﷿ وفعل مراضيه ومحبوباته وترك مناهيه ومكروهاته.
ولا ننكر أن خشية الله وهيبته وعظمته في الصدور وإجلاله مقصود أيضًا، ولكن القدر النافع من ذلك ما كان عونًا على التقرب إلى الله بفعل ما يحبه وترك ما يكرهه، ومتى صار الخوف مانعًا من ذلك وقاطعًا عنه فقد انعكس المقصود منه.
ولكن إذا حصل ذلك عن غلبة، كان صاحبه معذورًا، وقد كان في السلف من حصل له من خوف النار أحوال شتى، لغلبة حال شهادة قلوبهم للنار، فمنهم من كان يلازمه القلق والبكاء، وربما اضطرب أو غشي عليه إذا سمع ذكر النار.
وقد روي عن النبي ﵌ شيء من ذلك، إلا أن إسناده ضعيف، فروى حمزة الزيات «عن حمران بن أعين، قال: سمع رسول الله ﵌ قارئًا:
﴿إن لدينا أنكالا وجحيما * وطعاما ذا غصة وعذابا أليما﴾ .
فصعق رسول الله ﵌.
وفي رواية فبكى حتى غشي عليه ﵌» .
هذا مرسل وحمران ضعيف.
ورواه بعضهم عن حمران عن أبي حرب بن الأسود مرسلًا أيضًا.
وقيل: إنه روي عن حمران عن ابن عمر ولا يصح.
«و
[ ٢٩ ]
عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: لما أنزل الله ﷿ على نبيه ﵌:
﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة﴾ .
تلاها رسول الله ﵌ ذات يوم على أصحابه، فخر فتى مغشيًا عليه، فوضع النبي ﵌ يده على فؤاده فإذا هو يتحرك، فقال: رسول الله ﵌: يا فتى قل: لا إله إلا الله فقالها، فبشره بالجنة، فقال أصحابه يا رسول الله أمن بيننا؟ فقال: أو ما سمعتم قوله تعالى:
﴿ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد﴾» .
وقد روي هذا عن ابن أبي رواد عن عكرمة عن ابن عباس، وخرجه من هذا الوجه الحاكم وصححه.
ولعل المرسل أشبه.
وقال الجوزجاني في كتاب النواحين حدثنا صاحب لنا «عن جعفر بن سليمان عن لقمان الحنفي، قال: أتى رسول الله ﵌ على شاب ينادي في جوف الليل: واغوثاه من النار، فلما أصبح قال: يا شاب لقد أبكيت البارحة أعين ملأ من الملائكة كثير» .
وقال سليمان بن سحيم: أخبرني من رأى ابن عمر يصلي وهو يترجح ويتمايل ويتأوه، حتى لو رآه غيرنا ممن يجهله لقال: لقد أصيب الرجل، وذلك لذكر النار إذا مر بقوله تعالى:
﴿وإذا ألقوا منها مكانًا ضيقًا مقرنين﴾ .
أو نحو ذلك.
خرجه أبو عبيدة.
وفي كتاب الزهد للإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: قلت ليزيد بن مرثد: مالي أرى عينك لا تجف؟ قال: وما مسألتك عنه؟ قلت: عسى الله أن ينفعني به، قال: يا أخي إن الله توعدني إن أنا
[ ٣٠ ]
عصيته أن يسجنني في النار، والله لو لم يوعدني أن يسجنني إلا في الحمام لكنت حريًا أن لا تجف لي عين، قلت له: فهكذا أنت في صلاتك؟ قال: وما مسألتك عنه؟ قلت: عسى الله أن ينفعني به، قال: والله إن ذلك ليعرض لي حين أسكن إلى أهلي، فيحول بيني وبين ما أريد، وإنه ليوضع الطعام بين يدي، فيعرض لي، فيحول بيني وبين أكله، حتى تبكي امرأتي، وتبكي صبياننا، ما يدرون ما أبكانا، وربما أضجر ذلك امرأتي فتقول: يا ويحها، وما خصه من طول الحزن معك في الحياة الدنيا ما يقر لي معك عين.
وقال يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز، كأن النار لم تخلق إلا لهما.
وروى ضمرة عن حفص بن عمر، قال: بكى الحسن، فقيل ما يبكيك؟ قال: أخاف أن يطرحني غدًا في النار ولا يبالي.
وعن الفرات بن سليمان، قال: كان الحسن يقول: إن المؤمنين قوم ذلت والله منهم الأسماع والأبصار والأبدان، حتى حسبهم الجاهل مرضى، وهم والله أصحاب القلوب، ألا تراه يقول:
﴿وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ .
والله لقد كابدوا في الدنيا حزنًا شديدًا، وجرى عليهم ما جرى على من كان قبلهم، الله ما أحزنهم ما أحزن الناس، ولكن أبكاهم وأحزنهم الخوف من النار.
وروى ابن المبارك عن معمر عن يحيى بن المختار عن الحسن نحوه.
وروى ابن أبي الدنيا من حديث عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال سمعت عبد الله بن حنظلة يومًا، وهو على فراشه، وعدته من علته، فتلا رجل عنده هذه الآية:
﴿لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش﴾ .
فبكى، حتى ظننت أنه نفسه ستخرج، وقال: صاروا بين
[ ٣١ ]
أطباق النار، ثم قام على رجليه، فقال قائل: يا أبا عبد الرحمن اقعد، قال: منعني القعود ذكر جهنم، ولا أدري لعلي أجدهم.
ومن حديت عبد الرحمن بن مصعب، أن رجلًا كان يومًا على شط الفرات فسمع تاليًا يتلو:
﴿إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون﴾ .
فتمايل، فلما قال التالي: ﴿لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون﴾ .
سقط في الماء فمات.
ومن حديث أبي بكر بن عياش، قال صليت خلف فضيل بن عياض صلاة المغرب وإلى جانبي علي ابنه، فقرأ الفضيل ﴿ألهاكم التكاثر﴾ فلنا بلغ ﴿لترون الجحيم﴾ .
سقط مغشيًا عليه، وبقي الفضيل لا يقدر يجاوز الآية، ثم صلى بنا صلاة خائف، قال: ثم رابطت عليًا فما أفاق إلا في نصف الليل.
وروى أبو النعيم بإسناد عن الفضيل، قال: أشرفت ليلة على علي، وهو في صحن الدار، وهو يقول: النار، ومتى الخلاص من النار؟ .
وكان علي يومًا عند ابن عيينه، فحدث سفيان بحديث فيه ذكر النار، وفي يد علي قرطاس في شيء مربوط، فشهق شهقة، ووقع ورمى بالقرطاس، أو وقع من يده، فالتفت إليه سفيان، فقال: لو علمت أنك ههنا ما حدثت به، فما أفاق إلا بعد ما شاء الله.
وقال علي بن خشرم: سمعت منصور بن عمار يقول: تكلمت يومًا في المسجد الحرام، فذكرت شيئًا من صفة النار، فرأيت الفضيل بن غياض صاح حتى غشي عليه وطرح نفسه.
[ ٣٢ ]
وفي الحلية لأبي نعيم، أن علي بن فضيل صلى خلف إمام قرأ في صلاته سورة الرحمن، فلما سلم، قيل لعلي: أما سمعت ما قرأ الإمام:
﴿حور مقصورات في الخيام﴾ .
فقال: شغلني عيها ما قبلها:
﴿يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران﴾ .
وقال ابن أبي ذئب: حدثني من شهد عمر بن عبد العزيز - وهو أمير المدينة - وقرأ عنده رجل:
﴿وإذا ألقوا منها مكانًا ضيقًا مقرنين دعوا هنالك ثبورًا﴾ .
بكى عمر حتى غلبه البكاء وعلا نيجشه، فقام من مجلسه، ودخل بيته، وتفرق الناس.
وقال أبو نوح الأنصاري: وقع حريق في بيت فيه علي بن الحسين وهو ساجد، فجعلوا ينادونه: يا ابن رسول الله النار، فما رفع رأسه حتى أطفئت، فقيل: ما الذي ألهاك عنها؟ قال: النار الأخرى.
قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان يقول: ربما مثل لي رأسي بين جبلين من نار، وربما رأيتني أهوي فيها حتى أبلغ قرارها، فكيف تهنأ الدنيا من كانت هذه صفته؟ قال أحمد: وحدثني أبو عبد الرحمن الأسدي، قال: قلت لسعيد بن عبد العزيز: ما هذا البكاء الذي يعرض لك في الصلاة؟ فقال: يا ابن أخي وما سؤالك عن ذلك؟ قلت: يا عم لعل الله أن ينفعني به، قال: ما قمت في صلاتي إلا مثلت لي جهنم.
وقال سرار أبو عبد الله: عاتبت عطاء السلمي في كثرة بكائه، فقال لي: يا سرار، كيف تعاتبني في شيء ليس هو لي؟ إني إذا ذكرت أهل النار وما ينزل بهم من عذاب الله ﷿ وعقابه، تمثلت لي نفسي بهم، فكيف
[ ٣٣ ]
لنفس تغل يداها إلى عنقها، وتسحب إلى النار، أن لا تبكي وتصيح؟ وكيف لنفس تعذب أن لا تبكي؟
قال العلاء بن زياد كان إخوان مطرف عنده، فخاضوا في ذكر الجنة والنار، فقال مطرف: لا أدري ما تقولون! حال ذكر النار بيني وبين الجنة.
وقال عبد الله بن أبي الهذيل: لقد شغلت النار من يعقل عن ذكر الجنة.
وعوتب يزيد الرقاشي على كثرة بكائه، وقيل له: لو كانت النار خلقت لك ما زدت على هذا، فقال: وهل خلقت النار إلا لي ولأصحابي ولإخواننا من الجن والإنس؟ أما تقرأ:
﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان﴾ .
أما تقرأ:
﴿يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران﴾ .
فقرأ حتى بلغ:
﴿يطوفون بينها وبين حميم آن﴾ .
وجعل يجول في الدار ويصرخ ويبكي حتى غشي عليه.
وقرئ على رابعة العدوية آية فيها ذكر النار، فصرخت، ثم سقطت، فمكثت ما شاء الله لم تفق.
ودخل ابن وهب الحمام فسمع قارئًا يقول: ﴿وإذ يتحاجون في النار﴾،.
فسقط مغشيًا عليه، فغسل عنه بالنورة وهو لا يعقل.
ولما أهديت معاذة العدوية إلى زوجها، صلة بن أشيم، أدخله ابن أخيه الحمام، ثم أدخله بيتًا مطيبًا، فقام يصلي حتى أصبح، وفعلت معاذة كذلك، فلما أصبح عاتبه ابن أخيه على فعله، فقال له: إنك أدخلتني بالأمس بيتًا أذكرتني به النار، ثم أدخلتني بيتًا أذكرتني به الجنة، فما زالت فكرتي فيهما حتى أصبحت.
[ ٣٤ ]
قال العباس بن الوليد عن أبيه: كان الأوزاعي إذا ذكر النار، لم يقطع ذكرها، ولم يقدر أحد أن يسأله عن شيء، حتى يسكت، فأقول بيني وبين نفسي: ترى بقي أحد في المجلس لم يتقطع قلبه حسرات؟ ! .
كانت آمنة بنت أبي الورع من العابدات الخائفات، وكانت إذا ذكرت النار قالت: أدخلوا النار، وأكلوا وشربوا من النار، وعاشوا، ثم تبكي.
وكانت كأنها حبة على مقلي.
وكانت إذا ذكرت النار بكت وأبكت.
قال عبد الواحد بن زيد: لم أر مثل قوم رأيتهم، هجمنا مرة على نفر من العباد في سواحل البحر، فتفرقوا حين رأونا، فما كنت تسمع عامة الليل إلا الصراخ والتعوذ من النار، فلما أصبحنا تعقبنا آثارهم فلم نر منهم أحدًا.