وكان كثير من الخائفين من السلف، ينغص عليهم ذكر طعام أهل النار وشرابهم، طعام الدنيا وشرابها، حتى يمتنعوا من تناوله أحيانًا لذلك، فكان الإمام أحمد يقول: الخوف يمنعني من أكل الطعام والشراب فلا أشتهيه.
روى شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: أتي عبد الرحمن بن عوف بعشائه، وهو صائم، فقرأ:
﴿إن لدينا أنكالا وجحيما * وطعاما ذا غصة وعذابا أليما﴾ .
فلم يزل يبكي، حتى رفع طعامه، وما تعشى، وإنه لصائم.
خرجه الجوزجاني.
وروى ابن أبي الدنيا من طريق يونس، عن الحسن، قال: لقي رجل
[ ١٥٥ ]
رجلًا، فقال له: يا هذا أراك قد تغير لونك، ونحل جسمك، فمم هو؟ فقال آخر: وإني لأرى ذلك، فمم هو؟ قال: أصبحت منذ ثلاثة أيام صائمًا، فلما أتيت بعشائي، عرضت لي هذه الآية:
﴿يسقى من ماء صديد * يتجرعه ولا يكاد يسيغه﴾ إلى قوله: ﴿عذاب غليظ﴾ .
فلم أستطع أن أتعشاه، فأصبحت صائمًا، فلما أتيت بعشائي أيضًا، عرضت لي، فلم أستطع أن أتعشاه، فلي ثلاث منذ أنا صائم، قال: يقول الرجل الأخر: وهي التي عملت بي هذا العمل.
ومن طريق خليد بن حسان الهجري، قال: أمسى الحسن صائمًا فأتي بعشائه، فعرضت له هذه الآية: ﴿إن لدينا أنكالا وجحيما * وطعاما ذا غصة وعذابا أليما﴾ فقلصت يده، وقال: ارفعوه، فأصبح صائمًا، فلما أمسى، أتى بإفطاره، فعرضت له الآية، فقال: يا أبا سعيد، تهلك وتضعف! ! فأصبح اليوم الثالث صائمًا، فذهب ابنه إلى يحيى البكاء وثابت البناني ويزيد الضبي، فقال: أدركوا أبي، فإنه هالك، فلم يزالوا به، حتى سقوه شربة ماء من سويق.
ومن طريق صالح المري قال: كان عطاء السلمي، قد أضر بنفسه حتى ضعف، فقلت له: إنك قد أضررت بنفسك، وأنا متكلف لك بشيء، فلا ترد كرامتي، قال: أفعل، قال: فاشتريت سويقًا، من أجود ما وجدت، وسمنًا، قال: فجعلت له شريبة، فلتيتها وحليتها، وأرسلت بها مع ابني وكوزًا من ماء، فقلت له: لا تبرح حتى يشربها، فرجع، فقال: قد شربها، فلما كان من الغد، جعلت له نحوها، ثم سرحت بها مع ابني، فرجع بها لم يشربها، قال: فأتيته فلمته، وقلت: سبحان الله! أرددت علي كرامتي؟ ! إن هذا مما يعنيك ويقويك على الصلاة، وعلى ذكر الله تعالى، فلما رآني قد وجدت من
[ ١٥٦ ]
ذلك، قال: يا أبا بشر، لا يسؤك، والله لقد شربتها أول ما بعثت بها، فلما كان الغد راودت نفسي على أن أسيغها، فما قدرت على ذلك، إذا أردت شربه ذكرت هذه الآية:
﴿يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ﴾ .
فبكى صالح عند هذا، وقال قلت لنفسي: ألا أراني في واد وأنت في آخر.
وروى الإمام أحمد بإسناده، عن صالح المري، عن عطاء السلمي، قال: إنني إذا ذكرت جهنم، ما يسيغني طعام ولا شراب.
وروى عبد الله بن الإمام أحمد، من طريق مرجى بن وداع، قال: انطلقت مع صالح المري، فدخلنا على عطاء السلمي، فقلنا له: يا عطاء، تركت الطعام والشراب؟ ! قال: إني إذا ذكرت صديد أهل النار لم أسغه.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، عن عبد المؤمن الصايغ، قال: دعوت رباحًا القيسي ذات ليلة إلى منزلي، فجاءني في السحر، فقربت إليه طعامًا، فأصاب منه شيئًا، فقلت: ازدد فما أراك شبعت، قال: فصاح صيحة أفزعتني، فقال: كيف أشبع أيام الدنيا، وشجرة الزقوم بين يدي طعام الأثيم، قال: فرفعت الطعام من بين يديه، وقلت: أنت في شيء ونحن في شيء.
وبإسناده عن أبي سعيد، قال: دخل عبيد الله بن الوليد التيمي، على حبابة التميمية، فقدمت إليه سمنًا وخبزًا وعسلًا، فقال: يا حبابة أما تخافين أن يكون بعد هذا الضريع، قال: فما زال يبكي وتبكي، حتى قام ولم يأكل شيئًا.
وبإسناده عن سوار بن عبد الله القريعي، قال: كنا مع عمر بن درهم في بعض السواحل، قال: وكان لا يأكل إلا من السحر إلى السحر، فجئنا بطعام، فلما رفع الطعام إلى فيه، سمع بعض المتجهدين يقرأ هذه الآية:
﴿إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم * كالمهل يغلي في البطون * كغلي الحميم﴾ .
[ ١٥٧ ]
فغشي عليه، وسقطت اللقمة من يده، فلم يفق إلا بعد طلوع الفجر، فمكث بذلك سبعًا، لا يطعم شيئًا، كلما قرب إليه طعام، عرضت له الآية، فيقوم ولا يطعم شيئًا، فاجتمع إليه أصحابه، فقالوا سبحان الله! تقتل نفسك؟ ! فلم يزالوا به حتى أصاب شيئًا.
وبإسناده عن محمد بن سويد، قال: كان لطاووس طريقان إذا رجع من المسجد، أحدهما فيه رواس، وكان يرجع إذا صلى المغرب، فإذا أخذ الطريق الذي فيه الرواس لم يتعش، فقيل له، فقال: إذا رأيت الرؤوس كالحة لم أستطع الأكل.
وذكر مالك بن أنس هذه الحكاية، عن طاووس، قال مالك: يعني لقول الله تعالى:
﴿وهم فيها كالحون﴾ .
وروى ابن أبي الدنيا أيضًا بإسناده عن عبد الله بن عمر أنه شرب ماء باردًا فبكى واشتد بكاؤه، فقيل: ما يبكيك؟ فقال: ذكر آية من كتاب الله قوله:
﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون﴾ .
فعرفت أن أهل النار لا يشتهون شيئًا، شهوتهم الماء البارد، وقد قال الله تعالى:
﴿أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله﴾ .
عن سلام بن أبي مطيع، قال: أتي الحسن بكوز من الماء، ليفطر عليه، فلما أدناه إلى فيه بكى، وقال: ذكرت أمنية وأهل النار وقولهم:
﴿أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله﴾ وذكرت ما أجيبوا به
﴿إن الله حرمهما على الكافرين﴾ .
وعن عبد الملك بن مروان، أنه شرب ماءًا باردًا، فقطعه وبكى، فقيل: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ ! قال: ذكرت العطش يوم القيامة، وذكرت أهل النار وما منعوا من ماء بارد الشراب، ثم قرأ:
﴿يتجرعه ولا يكاد يسيغه﴾ .
وروى عبد الله بن الإمام أحمد، بإسناده عن إبراهيم النخعي، قال: ما
[ ١٥٨ ]
قرأت هذه الآية إلا ذكرت برد الشراب، وقرأ:
﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون﴾ .
واستقى محمد بن مصعب العابد ماء، فسمع صوت البرادة، فصاح، وقال لنفسه: من أين لك في النار برادة ثم قرأ:
﴿وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل﴾ .
[ ١٥٩ ]