وأما شرابهم فقال الله تعالى: ﴿فشاربون عليه من الحميم﴾ .
وقال تعالى: ﴿وسقوا ماءً حميمًا فقطع أمعاءهم﴾ .
وقال تعالى: ﴿لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا * إلا حميما وغساقا﴾ .
[ ١٤٨ ]
وقال تعالى: ﴿هذا فليذوقوه حميم وغساق * وآخر من شكله أزواج﴾ .
وقال تعالى: ﴿ويسقى من ماء صديد * يتجرعه ولا يكاد يسيغه﴾ .
وقال تعالى: ﴿وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقًا﴾ .
فهذه أربعة أنواع ذكرناها من شرابهم، وقد ذكرها الله في كتابه:
النوع الأول: الحميم - قال عبد الله بن عيسى الخراز، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس: الحميم: الحار الذي يحرق.
وقال الحسن والسدي: الحميم: الذي قد انتهى حره.
وقال جويبر عن الضحاك: يسقى من حميم يغلي من يوم خلق الله السموات والأرض، إلى يوم يسقونه، ويصب على رؤوسهم.
وقال ابن وهب، عن ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم في النار، يجتمع في حياض النار، فيسقونه، وقال تعالى:
﴿يطوفون بينها وبين حميم آن﴾ .
قال محمد بن كعب: حميم آن: حاضر، وخالفه الجمهور، فقالوا: بل المراد بالآن: ما انتهى حره.
[ ١٤٩ ]
وقال شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس: حميم آن: الذي قد انتهى غليه.
وقال سعيد بن بشير عن قتادة: قد آن طبخه، منذ خلق الله السموات والأرض.
وقال الله تعالى: ﴿تسقى من عين آنية﴾ قال مجاهد: قد بلغ حرها، وحان شربها.
وعن الحسن، قال: كانت العرب تقول للشيء، إذا انتهى حره، حتى لا يكون شيء أحر منه: قد آن حره، فقال الله ﷿: ﴿من عين آنية﴾ يقول قد أوقد الله عليها جهنم منذ خلقت، وآن حرها.
وعنه قال: آن طبخها منذ خلق الله السموات والأرض.
وقال السدي: انتهى حرها، فليس بعده حر.
وقد سبق حديث أبي الدرداء، في دفع الحميم إليهم بكلاليب الحديد.
النوع الثاني: الغساق - قال ابن عباس: الغساق: ما يسيل من بين جلد الكافر ولحمه.
وعنه قال: الغساق: الزمهرير البارد، الذي يحرق من برده.
وعن عبد الله بن عمرو قال: الغساق: القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهرق في المغرب، لأنتنت أهل المشرق، ولو أهرقت في المشرق، لأنتنت أهل المغرب.
وقال مجاهد: غساق: الذي لا يستطيعون أن يذقوه من برده.
وقال عطية: هو ما يغسق من جلودهم - يعني يسيل من جلودهم.
وقال كعب: غساق: عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات
[ ١٥٠ ]
حمة، من حية وعقرب وغير ذلك، فيستنقع، فيؤتى بالآدمي، فيغمس فيها غمسة واحدة، فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام، ويتعلق جلده ولحمه في عقبية وكعبيه، ويجر لحمه، كما يجر الرجل ثوبه.
وقال السدي: الغساق: الذي يسيل من أعينهم من دموعهم، يسقونه مع الحميم.
وروى دراج، «عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي ﵌، قال: لو أن دلوًا من غساق، يهرق في الدنيا، لأنتن أهل الدنيا» خرجه الإمام أحمد والترمذي والحاكم وصححه.
وقال بلال بن سعد: لو أن دلوًا من الغساق، وضع على الأرض، لمات من عليها.
وعنه قال: لو أن قطرة منه، وقعت على الأرض، لأنتن من فيها.
خرجه أبو نعيم.
وقد صرح ابن عباس، في رواية عنه، ومجاهد، بأن الغساق ههنا هو البارد الشديد البرد.
ويدل عليه قوله تعالى:
﴿لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا * إلا حميما وغساقا﴾ .
فاستثنى من البرد الغساق ومن الشراب الحميم.
وقد قيل: إن الغساق هو البارد المنتن، وليس بعربي.
وقيل: إنه عربي، وإنه فعال من غسق، يغسق، والغاسق: الليل، وسمي غاسقًا لبرده.
النوع الثالث: الصديد: - قال مجاهد في قوله تعالى:
﴿ويسقى من ماء صديد﴾ .
قال: يعني القيح والدم، وقال قتادة: ﴿ويسقى من ماء صديد﴾
[ ١٥١ ]
قال: ما يسيل من بين لحمه وجلده، قال: ﴿يتجرعه ولا يكاد يسيغه﴾ قال قتادة: هل لكم بهذا يدان، أم لكم على أن هذا صبر؟ طاعة الله أهون عليكم - يا قوم - فأطيعوا الله ورسوله.
وخرج الإمام أحمد والترمذي، «من حديث أبي أمامة، عن النبي ﵌، في قوله:
﴿ويسقى من ماء صديد * يتجرعه﴾ .
وقال: يقرب إلى فيه فيكرعه، فإذا أدني منه، شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه، حتى يخرج من دبره، يقول الله تعالى:
﴿وسقوا ماء حميمًا فقطع أمعاءهم﴾ .
وقال: ﴿وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب﴾» .
وروى أبو يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: في جهنم أودية من قيح تكتاز، ثم تصب في فيه.
وفي صحيح مسلم «عن جابر، عن النبي ﵌، قال: إن على الله عهدًا، لمن شرب المسكرات ليسقيه من طينة الخبال، قالوا: يا رسول الله! وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار أو عصارة أهل النار» .
وخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﵌، نحوه، إلا أنه ذكر ذلك في المرة الرابعة.
وفي بعض الروايات من عين الخبال.
وخرج الترمذي، «من حديث عبد الله بن عمر، نحوه، عن النبي ﵌، أنه قال: من نهر الخبال»، قيل: يا أبا عبد الرحمن ما نهر الخبال؟ قال: نهر من صديد أهل النار.
وقال: حديث حسن.
وخرج أبو داود، «من حديث ابن عباس، عن النبي ﵌، نحوه، وقال: من طينة الخبال، قيل: يا رسول الله، ما طينة الخبال؟ قال: صديد أهل النار» .
وفي رواية أخرى، «قال: ما يخرج من زهومة أهل النار وصديدهم» .
وخرج الإمام أحمد بمعناه أيضًا من حديث أبي ذر وأسماء بنت يزيد، عن النبي ﵌.
وخرج الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه، «من حديث أبي موسى عن النبي ﵌، قال: من مات وهو مدمن خمر، سقاه الله من نهر الغوطة، قيل وما نهر الغوطة؟ قال: نهر يخرج من
[ ١٥٢ ]
فروج المومسات، يؤذي أهل النار نتن فروجهم» .
وقد سبق حديث عمرو بن شعيب، «عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵌، في المتكبرين، وفيه: يسقون من عصارة أهل النار،
[ ١٥٣ ]
طينة الخبال» .
النوع الرابع: الماء الذي كالمهل: خرج الإمام أحمد والترمذي، «من حديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي ﵌، في قوله: كالمهل قال: كعكر الزيت، فإذا قرب إلى وجهه، سقطت فروة وجهه فيه» .
قال عطية: سئل ابن عباس عن قوله: ﴿كالمهل﴾ قال: غليظ كدردي الزيت.
قال علي بن أبي طالب، عن ابن عباس: أسود كمهل الزيت، وكذا قال سعيد بن جبير وغيره.
قال الضحاك: أذاب ابن مسعود من بيت المال، ثم أرسل إلى أهل المسجد، فقال: من أحب أن ينظر إلى المهل، فلينظر إلى هذا.
وقال مجاهد: بماء كالمهل: مثل القيح والدم، أسود كعكر الزيت.
وخرج الطبراني، «من طريق تمام بن نجيح، عن الحسن، عن أنس عن النبي ﵌: لو أن غربًا، جعل من حميم جهنم، وجعل وسط الأرض، لآذى نتن ريحه وشدة حره ما بين المشرق والمغرب» .
[ ١٥٤ ]
وفي موعظة الأوزاعي للمنصور «قال: بلغني أن جبريل، قال للنبي ﵌: لو أن ذنوبًا من شراب جهنم، صب في ماء الأرض جميعًا، لقتل من ذاقه» .
خرج بعض المتقدمين، فمر بكروم بقرية، يقال لها: طيز ناباد، وكأنه كان يعصر فيها الخمر، فأنشد يقول:
بطيز ناباد كرم ما مررت به إلا تعجبت ممن يشرب الماء
فهتف به هاتف يقول:
وفي جهنم ماء ما تجرعه حلق فأبقى له في البطن أمعاء