قال الله ﷿: ﴿قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين * ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون * قال اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ .
وقال تعالى: ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون﴾ .
[ ٢٠٤ ]
وقال تعالى: ﴿وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب * قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ .
وقال تعالى: ﴿وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحًا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير﴾ .
وفي حديث الأعمش، «عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي ﵌، في ذكر أهل النار، قال: فيقولون: ادعوا خزنة جهنم، فيقولون:
﴿أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ .
قال: فيقولون: ادعوا مالكًا، فيقولون: ﴿يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون﴾ .
قال الأعمش، نبئت أن بين دعائهم وبين إجابة مالك لهم ألف عام، قال: فيقولون: ادعوا ربكم، فإنه ليس أحد خيرًا من ربكم، فيقولون:
﴿ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين * ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ .
قال فيجيبهم: ﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ .
قال: فعند ذلك، يئسوا من كل خير، وعند ذلك، يأخذون في الحسرة والزفير والويل» .
خرجه الترمذي مرقوفًا على أبي الدرداء.
[ ٢٠٥ ]
وروى أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي، قال: لأهل النار خمس دعوات، يكلمون في أربع منها، ويسكت عنهم في الخامسة، فلا يكلمون، يقولون:
﴿ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل﴾ .
فيرد عليهم: ﴿ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا﴾ .
ثم يقولون: ﴿ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحًا إنا موقنون﴾ .
فيرد عليهم: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها﴾ .
إلى آخر الآيتين، ثم يقولون:
﴿ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل﴾ .
فيرد عليهم ﴿أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال﴾ .
ثم يقولون: ﴿ربنا أخرجنا نعمل صالحًا غير الذي كنا نعمل﴾ .
فيرد عليهم: ﴿أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير﴾ .
ثم يقولون: ﴿ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين * ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ .
فيرد عليهم:
﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ إلى قوله: ﴿وكنتم منهم تضحكون﴾ .
قال: فلا يتكلمون بعد ذلك، خرجه آدم بن أبي إياس وابن أبي حاتم.
وخرج ابن أبي حاتم، من رواية قتادة، عن أبي أيوب العتكي، عن عبد الله ابن عمرو، وقال: نادى أهل النار ﴿يا مالك ليقض علينا ربك﴾ قال: فخلى عنهم أربعين عامًا، ثم أجابهم: ﴿إنكم ماكثون﴾، فقالوا: ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ قال: فخلى عنهم مثل الدنيا، ثم
[ ٢٠٦ ]
أجابهم: ﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ قال: فأطبقت عليهم، فيئس القوم بعد تلك الكلمة، وإن كان إلا الزفير والشهيق.
وعن عطاء بن السائب، عن أبي الحسن، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك﴾ قال: فيتركهم ألف سنة، ثم يقول: ﴿إنكم ماكثون﴾ .
وخرجه البيهقي، وعنده عن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وقال سنيد في تفسيره: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: نادى أهل النار خزنة جهنم أن ﴿ادعوا ربكم يخفف عنا يومًا من العذاب﴾ فلم يجيبوهم ما شاء الله، ثم أجابوهم بعد حين وقالوا لهم: ﴿ادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ ثم نادوا: ﴿يا مالك ليقض علينا ربك﴾ فيسكت عنهم مالك، خازن جهنم، أربعين سنة، ثم أجابهم: ﴿إنكم ماكثون﴾ ثم نادى الأشقياء ربهم:
﴿قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا﴾ الآيتين، فسكت عنهم مثل مقدار الدنيا، ثم أجابهم بعد: ﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ .
وروى صفوان بن عمرو، قال: «سمعت أيفع بن عبد الكلاعي، يقول: قال رسول الله ﵌: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قال الله: يا أهل الجنة،
﴿كم لبثتم في الأرض عدد سنين * قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم﴾ .
قال: نعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم رحمتي ورضواني وجنتي، امكثوا فيها خالدين مخلدين، ثم يقول لأهل النار: ﴿كم لبثتم في الأرض عدد سنين * قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم﴾ فيقول: بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم، سخطي، ومعصيتي، وناري، امكثوا فيها خالدين مخلدين، فيقولون: ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ فيقول: ﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ فيكون ذلك آخر عهدهم
[ ٢٠٧ ]
بكلام ربهم ﷿» .
خرجه أبو نعيم، وقال: كذا رواه أيفع مرسلًا.
وقال أبو الزعراء، عن ابن مسعود: إذا أراد الله أن لا يخرج منها أحدًا، غير وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل من المؤمنين، فيشفع، فيقول: يا رب، فيقال: من عرف أحدًا فليخرجه، قال: فيجيء الرجل من المؤمنين، فينظر فلا يعرف أحدًا، فيناديه الرجل فيقول: يا فلان أنا فلان، فيقول: ما أعرفك! قال: فعند ذلك يقولون في النار: ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ فيقول عند ذلك: ﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾، فإذا قال ذلك أطبقت عليهم، فلم يخرج منها أحد.
وفي رواية، قال ابن مسعود، ليس بعد هذه الآية خروج ﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ .
وذكر عبد الرزاق في تفسيره، عن عبد الله بن عيسى، عن زياد الخراساني، أسنده إلى بعض أهل العلم، قال: إذا قيل لهم: ﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ سكتوا، فلا يسمع لهم فيها حس إلا كطنين الطست.