أيها الناس: قد آن للنائم أن يستيقظ من نومه، وحان للغافل أن يتنبه من غفلته، قبل هجوم الموت بمرارة كأسه، وقبل سكون حركاته، وخمود أنفاسه، ورحلته إلى قبره، ومقامه بين أرماسه.
وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أناس من أصحابه يوصيهم فكان فيما أوصاهم به أن كتب إليهم:
_________________
(١) انظر «ضعيف الجامع» رقم (١٨٤٢).
(٢) عزاه الحافظ العراقي في «المغني عن حمل الأسفار» (١٢١٠/ ٤٣٨٤/٢) لابن أبي الدنيا في «الموت»، وقال: «وأبو ميسرة هو: عمرو بن شرحبيل، والحديث مرسل، حسن الإسناد».
[ ١ / ٣٣ ]
«أما بعد: فإني أوصيكم بتقوى الله العظيم، والمراقبة له، واتخذوا التقوى والورع زادا، فإنكم في دار عما قريب تنقلب بأهلها، والله في عرصات القيامة وأهوالها يسألكم عن الفتيل والنقير، فالله الله عباد الله؛ اذكروا الموت الذي لا بدّ منه، واسمعوا قول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وقوله ﷿: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] وقوله ﷿: ﴿فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٧]. فقد بلغني - والله أعلم - أنهم يضربون بسياط من نار، وقال جلّ ذكره: ﴿* قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١].
وقد بلغني - والله أعلم وأحكم - أن ملك الموت رأسه في السماء ورجلاه في الأرض وأن الدنيا كلها في يد ملك الموت كالقصعة بين يدي أحدكم يأكل منها. وقد بلغني - والله أعلم وأحكم - أن ملك الموت ينظر في وجه كل آدمي ثلاثمائة نظرة وستّا وستين نظرة. وبلغني: أن ملك الموت ينظر في كل بيت تحت ظل السماء ستمائة مرة. وبلغني: أن ملك الموت قائم وسط الدنيا، فينظر الدنيا كلها برّها وبحرها وجبالها وهي بين يديه كالبيضة بين رجلي أحدكم! وبلغني: أن لملك الموت أعوانا الله أعلم بهم، ليس منهم ملك إلا لو أذن له أن يلتقم السموات والأرض في لقمة واحدة لفعل.
وبلغني: أن ملك الموت تفزع منه الملائكة أشد من فزع أحدكم من السبع.
وبلغني: أن حملة العرش إذا قرب ملك الموت من أحدهم ذاب حتى يصير مثل الشعرة من الفزع منه. وبلغني: أن ملك الموت ينتزع روح ابن آدم من تحت عصوه وظفره وعروقه وشعره، ولا تصل الروح من مفصل إلى مفصل، إلا كان أشد عليه من ألف ضربة بالسيف. وبلغني: أنه لو وضع وجع شعرة من الميت على السموات والأرض لأذابها، حتى إذا بلغت الحلقوم ولي القبض ملك الموت. وبلغني أن ملك الموت إذا قبض روح المؤمن جعلها في حريرة بيضاء ومسك أذفر، وإذا قبض روح الكافر جعلها في خرقة سوداء في فخار من نار أشد نتنا من الجيف (^١).
وفي الخبر: أنه إذا دنت منية المؤمن نزل عليه أربعة من الملائكة؛ ملك يجذب النفس من قدمه اليمنى، وملك يجذبها من قدمه اليسرى، وملك يجذبها من
_________________
(١) هذه البلاغات التي ذكرها المصنف ﵀ فيها مبالغات! فلا يصح إثباتها إلا بنص صحيح.
[ ١ / ٣٤ ]
يده اليمنى، وملك يجذبها من يده اليسرى، والنفس تنسلّ انسلال القطرة من السقاء، وهم يجذبونها من أطراف البنان ورؤوس الأصابع، والكافر تنسل روحه كالسفود من الصوف المبتل. ذكره أبو حامد في «كشف علوم الآخرة».
فمثّل نفسك يا مغرور وقد حلّت بك السكرات، ونزل بك الأنين والغمرات، فمن قائل يقول: إن فلانا قد أوصى، وماله قد أحصى. ومن قائل يقول: إن فلانا ثقل لسانه، فلا يعرف جيرانه، ولا يكلم إخوانه، فكأني أنظر إليك تسمع الخطاب، ولا تقدر على رد الجواب، ثم تبكي ابنتك وهي كالأسيرة، وتتضرع وتقول: حبيبي أبي من ليتمي من بعدك؟ ومن لحاجتي؟ وأنت والله تسمع الكلام ولا تقدر على ردّ الجواب.
وأنشدوا:
وأقبلت الصغرى تمرّغ خدّها … على وجنتي حينا وحينا على صدري
وتخمش خدّيها وتبكي بحرقة … تنادي: «أبي إني غلبت على الصبر»
حبيبي أبي «من لليتامى تركتهم … كأفراخ زغب في بعيد من الوكر؟»
فخيّل لنفسك يا ابن آدم إذا أخذت من فراشك، إلى لوح مغتسلك فغسلك الغاسل، وألبست الأكفان، وأوحش منك الأهل والجيران، وبكت عليك الأصحاب والإخوان، وقال الغاسل: أين زوجة فلان تحالله؟ وأين اليتامى ترككم أبوكم فما ترونه بعد هذا اليوم أبدا، وأنشدوا:
ألا أيها المغرور ما لك تلعب … تؤمل آمالا وموتك أقرب
وتعلم أن الحرص بحر مبعد … سفينته الدنيا فإياك تعطب
وتعلم أن الموت ينقضّ مسرعا … عليك يقينا طعمه ليس يعذب
كأنك توصي واليتامى تراهم … وأمّهم الثكلى تنوح وتندب
تغصّ بحزن ثم تلطم وجهها … يراها رجال بعد ما هي تحجب
وأقبل بالأكفان نحوك قاصد … وحثى عليك الترب والعين تسكب