قال علماؤنا: تلقين الموتى هذه الكلمة سنّة مأثورة عمل بها المسلمون، وذلك ليكون آخر كلامهم لا إله إلا الله، فيختم له بالسعادة، وليدخل في عموم قوله ﵇: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (^٤). أخرجه أبو داود
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩١٦).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣/ ٢٣٧).
(٣) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٥/ ١٨٦) بإسناد ضعيف.
(٤) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٣) وأبو داود (٣١٠٠) والحاكم (١/ ٥٠٠). وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، ووافقهما الألباني في «المشكاة» (١٦٢١).
[ ١ / ٤٥ ]
من حديث معاذ بن جبل ﵁، وصحّحه أبو محمد عبد الحق.
ولينبه المحتضر على ما يدفع به الشيطان، فإنه يتعرض للمحتضر ليفسد عليه عقيدته، على ما يأتي.
فإذا تلقّنها المحتضر وقالها مرة واحدة، فلا تعاد عليه لئلاّ يضجر، وقد كره أهل العلم الإكثار من التلقين، والإلحاح عليه إذا هو تلقنها أو فهم ذلك عنه. قال ابن المبارك: «لقّنوا الميت لا إله إلا الله فإذا قالها فدعوه». قال أبو محمد عبد الحق:
وإنما ذلك لأنه يخاف عليه إذا ألحّ عليه بها أن يتبرّم ويضجر، ويثقلها الشيطان عليه، فيكون سببا لسوء الخاتمة، وكذلك أمر ابن المبارك أن يفعل به.
قال الحسن بن عيسى: قال لي ابن المبارك: «لقّني - يعني الشهادة - ولا تعد عليّ إلا أن أتكلم بكلام ثان». والمقصود أن يموت الرجل وليس في قلبه إلا الله ﷿، لأن المدار على القلب، وعمل القلب هو الذي ينظر فيه، وتكون النجاة به، وأما حركة اللسان دون أن تكون ترجمة عما في القلب فلا فائدة فيها، ولا عبر عندها.
قال: وقد يكون التلقين بذكر الحديث عند الرجل العالم، كما ذكر أبو نعيم أن أبا زرعة كان في السوق وعنده أبو حاتم ومحمد بن مسلمة والمنذر بن شاذان وجماعات من العلماء، فذكروا حديث التلقين؛ فاستحيوا من أبي زرعة، فقالوا: يا أصحابنا تعالوا نتذاكر الحديث، فقال محمد بن مسلمة: حدّثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا أبو عاصم، قال حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي غريب ولم يجاوزه. وقال أبو حاتم: حدثنا بندار، حدثنا أبو عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي غريب ولم يجاوزه، والباقون سكوت. فقال أبو زرعة وهو في السوق: حدثنا أبو عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي غريب، عن كثير بن مرة الحضرمي، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» وفي رواية «حرّمه الله على النار» وتوفي ﵀.
ويروى عن عبد الله بن شبرمة أنه قال: دخلت مع عامر الشّعبي على مريض نعوده، فوجدناه لما به، ورجل يلقّنه الشهادة ويقول له: قل لا إله إلا الله، وهو يكثر عليه. فقال له الشّعبي: ارفق به، فتكلّم المريض وقال: إن تلقني أو لا تلقني، فإني لا أدعها، ثم قرأ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها﴾ [الفتح: ٢٦]. فقال الشعبي: الحمد لله الذي نجّى صاحبنا هذا.
وقيل للجنيد ﵀ عند موته، قل لا إله إلا الله فقال: ما نسيته فأذكره.
قلت: لا بدّ من تلقين الميت، وتذكيره الشهادة، وإن كان على غاية من التيقّظ، فقد ذكر أبو نعيم الحافظ من حديث مكحول عن وائلة بن الأسقع عن
[ ١ / ٤٦ ]
النبي ﷺ: «احضروا موتاكم ولقّنوهم، لا إله إلا الله، وبشّروهم بالجنة، فإن الحكيم من الرجال والنساء يتحيّر عند ذلك المصرع، وإن الشيطان أقرب من ابن آدم عند ذلك المصرع، والذي نفسي بيده لمعاينة ملك الموت أشدّ من ألف ضربة بالسيف، والذي نفسي بيده لا تخرج نفس عبد من الدنيا حتى يتألّم كلّ عضو منه على حياله» (^١).
وروي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حضر ملك الموت رجلا، قال: فنظر في قلبه فلم يجد فيه شيئا، ففكّ لحييه فوجد طرف لسانه لاصقا بحنكه يقول لا إله إلا الله، فغفر له بكلمة الإخلاص» (^٢).
ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب «المحتضرين» بإسناده. وخرّجه الطبراني بمعناه، وسيأتي في آخر أبواب الجنة إن شاء الله تعالى.