وقد رأيت أن أصل بهذه الحكاية حكايات في الشيب على سبيل الوعظ والتذكير والتخويف والتحذير.
حكي عن بعض المترفين أنه رفض ما كان فيه بغتة على غير تدريج، فسئل عن السبب، فقال ما معناه: كانت لي أمة لا يزيدني طول الاستمتاع منها إلا غراما بها، فقلبت شعرها يوما فإذا فيه شعرتان بيضاوان، فأخبرتها فارتاعت وقالت:
[ ١ / ٥٩ ]
أرني، فأريتها فقالت: ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] ثم نظرت إليّ وقالت: اعلم أنه لو لم تفترض عليّ طاعتك لما أويت إليك، فدع لي ليلي أو نهاري لأتزوّد فيه لآخرتي، فقلت: لا ولا كرامة، فغضبت، وقالت: أتحول بيني وبين ربّي، وقد آذنني بلقائه، اللهم بدّل حبّه لي بغضا. قال: فبت وما شيء أحبّ إليّ من بعدها عني، وعرضتها للبيع، فأتاني من أعطاني فيها ما أريد، فلما عزمت على البيع بكت، فقلت: أنت أردت هذا، فقالت: والله ما اخترت عليك شيئا من الدنيا، هل لك إلى ما هو خير لك من ثمني؟ قلت: وما هو؟ قالت: تعتقني لله ﷿، فإنه أملك لك منك لي، وأعود عليك منك عليّ، فقلت: قد فعلت، فقالت: أمضى الله صفقتك وبلّغك أضعاف أملك، وتزهّدت فبغضت إليّ الدنيا ونعيمها.
وقال عبد الله بن أبي نوح: رأيت كهلا بمسجد رسول الله ﷺ لا يزال ينفض الغبار عن جدرانه بسعفة، فسألت عنه، فقيل: إنه من ولد عثمان بن عفان ﵁ وأن له أولادا وموالي ونعمة موفورة، وأنه اطّلع في مرآته فصرخ وجنّ ولزم المسجد كما ترى، وإذا أراد أهله أن يأخذوه ليداووه ويصونوه هرب منهم، وعاذ بالقبر المكرم فتركوه، فرقبته نهارا فلم أر منه اختلالا، ورقبته ليلا فلما ذهب جنح من الليل، خرج من المسجد فتبعته حتى أتى البقيع فقام يصلي ويبكي حتى قرب طلوع الفجر، فجلس يدعو، وجاءت إليه دابة لا أدري أشاة أم ظبية أم غيرها، فقامت عنده وتفاجت فالتقم ضرعها فشرب ثم مسح ظهرها، وقال: اذهبي بارك الله فيك، فولّت تهرع، فانسلك، فسبقته إلى المسجد فأقمت ليالي أخرج بخروجه إلى البقيع ولا يشعر بي، وسمعته يقول في مناجاته: اللهم إنك أرسلت إليّ ولم تأذن لي، فإن كنت قد رضيتني فأذن لي، وإن لم ترض فوفقني لما يرضيك، قال:
فلما حان رحيلي أتيته مودّعا فتجهّمني، فقلت: أنا صاحبك منذ ليال بالبقيع، أصلي بصلاتك، وأؤمن على دعائك، قال: هل أطلعت على ذلك أحدا؟ قلت:
لا. قال: انصرف راشدا، قلت: ما الرسول الذي أرسل إليك؟ قال: اطّلعت في المرآة فرأيت شيبة في وجهي، فعلمت أنها رسول الله إليّ، فقلت: ادع لي، قال:
ما أنا أهل لذلك، ولكن تعالى نتوسّل إلى الله برسوله (^١)، فقمت معه تجاه القبر
_________________
(١) التوسل إلى الله برسول الله صلوات الله وسلامه عليه، توسّل غير شرعي، إذ التوسل عبادة، والعبادة لا يجوز فعلها إلا بدليل، والله ورسوله لم يشرعا لنا أن نتوسل بغير الله جل وعلا، أو بالدعاء الشرعي، الذي علّمنا إياه رسول الله ﵌. ويا طالب الحق، ويا طالب النجاة؛ إن أردت الاستنارة والاستفادة والهدى المستقيم والحق -
[ ١ / ٦٠ ]
المكرم، فقال: ما حاجتك؟ قلت: العفو، فدعا دعاء خفيفا، فأمّنت، ثم مال على جدار القبر، فإذا هو ميت فتنحّيت عنه، حتى فطن الناس له. وجاء أولاده ومواليه فاحتملوه وجهّزوه، وصليت عليه فيمن صلّى.
ويقال: إن ملكا من ملوك اليونان، استعمل على ملبسه أمة أدّبها بعض الحكماء، فألبسته يوما ثيابه وأرته المرآة، فرأى في وجهه شعرة بيضاء، فاستدعى بالمقراض وقصّها، فأخذتها الأمة فقبلتها ووضعتها على كفها، وأصغت بأذنها إليها، فقال لها الملك: إلى أيّ شيء تصغين؟ فقالت: إني أسمع هذه المبتلاة بفقد كرامة قرب الملك تقول قولا عجيبا، قال: ما هو؟ قالت: لا يجترئ لساني على النطق به. قال: قولي وأنت آمنة ما لزمت الحكمة، قالت ما معناه، إنها تقول: أيها الملك المسلط إلى أمد قريب إني خفت بطشك بي فلم أظهر حتى عهدت إلى بناتي أن يأخذن بثأري، وكأنك بهن قد خرجن عليك فإما أن يعجلن الفتك بك، وإما أن ينقصن شهوتك وقوتك وصحتك حتى تعد الموت غنما، فقال: اكتبي كلامك فكتبته فتدبّره، ثم نبذ ملكه في حديث. هذا المقصود منه، وفي معناه قيل:
وزائرة للشيب لاحت بمفرقي … فبادرتها خوفا من الحتف بالنتف
فقالت:
على ضعفي استطعت، ووحدتي … رويدك حتى يلحق الجيش من خلفي
وفي الإسرائيليات؛ أن إبراهيم الخليل لما رجع من تقريب ولده إلى ربه ﷿، رأت سارة في لحيته شعرة بيضاء، وكان ﵇ أول من شاب على وجه الأرض، فأنكرتها وأرته إياها. فجعل يتأملها وأعجبته وكرهتها سارة، وطالبته بإزالتها فأبى، فأتاه ملك الموت فقال: السلام عليك يا إبراهيم، وكان اسمه إبرام فزاده في اسمه هاء، والهاء في السريانية للتفخيم والتعظيم، ففرح بذلك، فقال: أشكر إلهي وإله كل شيء. فقال له الملك: إن الله قد صيرك معظّما في أهل السموات وأهل الأرض، وقد وسمك بسمة أهل الوقار في اسمك وفي خلقك، أما اسمك فإنك تدعى في أهل السماء وأهل الأرض إبراهيم، وأما خلقك فقد أنزل وقارا ونورا على شعرك. فأخبر
_________________
(١) = الواضح المبين في هذه المسألة التي ضلّت فيها عقول كثير من الناس، فما عليك إلا أن تقرأ: كتاب «قاعدة جليلة في التوسّل والوسيلة» لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية، و«التوسل أنواعه وأحكامه» للمحدّث الألباني - رحمه الله تعالى - وهو مطبوع بالمكتب الإسلامي ببيروت، و«التوصل إلى حقيقة التوسل» لمحمد نسيب الرفاعي - رحمه الله تعالى - و«التوسل حكمه وأقسامه» جمع وإعداد: أبو أنس علي بن حسين أبو لوز - نشر دار ابن خزيمة بالرياض، وغيرها من أمهات كتب العقيدة السلفية.
[ ١ / ٦١ ]
سارة بما قال له الملك، وقال: هذا الذي كرهتيه نور ووقار، قالت: إني كارهة له.
قال: لكني أحبه، اللهم زدني نورا ووقارا، فأصبح وقد ابيضّت لحيته كلها.
وفي الآثار النبوية: «من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة» (^١).
وروي أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ليستحيي أن يعذّب ذا شيبة» (^٢).
والأخبار في هذا الباب كثيرة. وكذلك الشعر اكتفينا منه بما ذكرنا وبالله توفيقنا.
وقال أعرابي في الشيب والخضاب:
يا بؤس من فقد الشباب وغيّرت … منه مفارق رأسه بخضاب
يرجو نضارة وجهه بخضابه … ومصير كلّ عمارة لخراب
شيئان لو بكت الدماء عليهما … عيناي حتى يؤذنا بذهاب
إني وجدت أجلّ كلّ مصيبة … فقد الشباب وفرقة الأحباب
***