هذا الحديث، وإن كان مفسرا مبينا؛ فقد روي عن عائشة ﵂ في تفسير هذا الحديث أنها قالت لشريح بن هانئ وقد سألها عما سمعه عن أبي هريرة؛ وليس بالذي تذهب إليه، ولكن إذا شخص البصر، وحشرج الصدر، واقشعرّ الجلد، وتشنّجت الأصابع، فعند ذلك من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. خرّجه مسلم (^٤).
وروي عنها أيضا في تفسيره؛ أنها قالت: إذا أراد الله بعبد خيرا قيّض له قبل موته بعام ملكا، فسدّده ووفقه حتى يقول الناس: مات فلان خير ما كان، فإذا أحضر ورأى ثوابه تهوع نفسه، أو قال: تهوعت نفسه، فذلك حين أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإذا أراد الله بعبده شرا قيض له قبل موته بعام شيطانا، فأضله وفتنه، حتى يقول الناس مات فلان شر ما كان، فإذا أحضر ورأى ما ينزل به من العذاب تبلغ نفسه، فذلك حين يكره لقاء الله وكره الله لقاءه ..
وخرّج الترمذي في أبواب القدر عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ إذا أراد بعبد خيرا استعمله». فقيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال:
«يوفقه لعمل صالح قبل الموت» (^٥). قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح.
قال الشيخ المؤلف ﵀: ومنه الحديث الآخر: «إذا أراد الله بعبده خيرا عسله». قالوا يا رسول الله وما عسله؟ قال: «يفتح الله له عملا صالحا بين يدي موته حتى يرضى عنه من حوله» (^٦).
وعن قتادة في تفسير قوله تعالى: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] قال: الروح الرحمة، والريحان تتلقاه به الملائكة عند الموت (^٧).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) ومسلم (٢٦٨٣) وغيرهما، من حديث عبادة بن الصامت.
(٢) أخرجه البخاري تعليقا (١١/ ٣٦٥) - فتح الباري - ومسلم (٢٦٨٤) وأحمد (٦/ ٤٤، ٥٥، ٢٠٧، ٢٣٦) والنسائي (٤/ ١٠) والترمذي (١٠٦٧) وابن ماجه (٤٢٦٤). من حديث عائشة ﵂.
(٣) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٩٧١) وأحمد (٣/ ١٠٧) من حديث أنس بن مالك.
(٤) تقدّم آنفا.
(٥) أخرجه الترمذي (٢١٤٢) بإسناد صحيح.
(٦) أخرجه أحمد (٤/ ٢٠٠) وهو في «الصحيحة» (١١١٤).
(٧) انظر «تفسير ابن أبي حاتم» (٣٣٣٥/ ١٨٨١٠/١٠).
[ ١ / ٧٠ ]
وروى ابن جريج عن النبي ﷺ أنه قال لعائشة: في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]؛ إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا: نرجعك إلى الدنيا، فيقول: إلى دار الهموم والأحزان؟ ويقول: قدما إلى الله ﷿، وأما الكافر فيقولون: نرجعك إلى الدنيا؟ فيقول: ﴿اِرْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠] الآية (^١).
وأما قوله في الحديث: «حتى ينتهي إلى السماء التي فيها الله تعالى» فالمعنى أمر الله وحكمه (^٢) وهي السماء السابعة التي عندها سدرة المنتهى، التي إليها يصعد ما يعرج به من الأرض، ومنها يهبط ما ينزل به منها - كذا في صحيح مسلم من حديث الإسراء.
وفي حديث البراء أنه ينتهي به إلى السماء السابعة، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
وقد كنت تكلّمت مع بعض أصحابنا القضاة ممن له علم ونظر بالفقه، ومعنا جماعة من أهل النظر، فيما ذكر أبو عمر بن عبد البر من قوله: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٥] فذكرت له هذا الحديث، فما كان منه إلا أن بادر إلى عدم صحّته، ولعن رواته! وبين أيدينا رطب نأكله، فقلت له: الحديث صحيح، خرّجه ابن ماجه في «السنن»، ولا تردّ الأخبار بمثل هذا القول، بل تتأول وتحمل على ما يليق من التأويل (^٣)، والذين رووها هم الذين رووا لنا الصلوات الخمس وأحكامها؛ فإن صدقوا هنا صدقوا هناك، وإن كذبوا هنا كذبوا هناك، ولا تحصل الثقة بأحد منهم فيما يرويه.
_________________
(١) أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (١٨/ ٤٠) مرسلا.
(٢) أوّل القرطبي هنا لفظ الحديث، والقرطبي أشعري، وهو يسير على طريقتهم في تأويل الصفات؛ عفا الله عنه، وسترى ذلك في أكثر من موضع في هذا الكتاب، وعقيدة أهل السنة والجماعة؛ أهل الحديث عدم تأويل الألفاظ، والأخذ بظواهرها، وهذا تجده مفصلا في كتب العقيدة، وخاصة ما يتعلق منها بالأسماء والصفات، وانظر «علو الله على خلقه» للشيخ أسامة القصاص رحمه الله تعالى. والله الهادي إلى سبيل الرشاد.
(٣) بل ليسعنا ما وسع السلف الصالح من أهل القرون الأولى ومن بعدهم، ولنمرّها كما جاءت دون تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه، كما قال الأوزاعي ومالك وابن المبارك، وقبلهم أصحاب النبي ﷺ، فلا نعمل العقل والذهن القاصر عن تصوّر الغيبيات، فضلا عن عجزه لعلم ماهيتها، فكيف نترك لعقولنا العنان لكي تتفكّر في هذه الأخبار، فإن قبلتها عقولنا قبلناها، وإلا كانت الأخرى فنردّها، وهذا حال الحيران الذي أسلم نفسه لعقله وهواه، فيا عبد الله كن وقّافا على النصوص، وقف حيث وقف القوم، والله الموفق. وأقول تعقيبا على كلام القرطبي ﵀: إن الذين رووا هذه الأخبار، أخذوا بظواهرها ولم يؤوّلوها، وكذا الأئمة الذين نقلوها، فلنكن على هديهم.
[ ١ / ٧١ ]
وقد خرّج البزار في «مسنده» من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن المؤمن إذا احتضر أتته الملائكة بحريرة فيها مسك وضبائر ريحان، فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين ويقال: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً﴾ [الفجر: ٢٧، ٢٨] مرضيا عنك إلى روح الله وكرامته، فإذا خرجت روحه وضعت على ذلك المسك والريحان، وطويت عليها الحريرة وذهب بها إلى عليين.
وإن الكافر إذا احتضر أتته الملائكة بمسح فيه جمرة، فتنزع روحه انتزاعا شديدا ويقال:
أيتها النفس الخبيثة أخرجي ساخطة مسخوطا عليك، إلى هوان الله وعذابه، فإذا خرجت روحه وضعت على تلك الجمرة، ويطوى عليها المسح، ويذهب بها إلى سجّين» (^١).
قال الشيخ المؤلف ﵀: فقوله في روح المؤمن: «يذهب بها إلى عليين» هو معنى ما جاء في حديث أبي هريرة المتقدم إلى السماء التي فيها الله، والأحاديث يفسر بعضها بعضا ولا إشكال.
وذكرته عند بعض من يتّسم بالعلم والفقه والقضاء، فلم يكن منه إلا أن بادر بلعن من رواه ونقله!! فظنّ منه التجسيم، فقلت له: الحديث صحيح، والذين رووه هم الذين جاءوا بالصلوات الخمس وغيرها من أمور الدين، فإن كذبوا هنا كذبوا هنالك، وإن صدقوا هنا صدقوا هنالك. والتأويل مزيل ما توهمته، وكان في ذلك كلام. وحضره جماعة من أهل الفقه والنظر، فذكرت له ما ذكرناه، وذكرت له حديث التنزيل وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٥] وما تأوله العلماء في ذلك، وسيأتي من ذلك في هذا الكتاب ما فيه كفاية لمن اهتدى والحمد لله.
وأما قوله في حديث محمد بن كعب، أول الباب: «إذا استنقعت نفس المؤمن»، فقال شمر: لا أعرفه، وسمعت الزهريّ يقول: يعني إذا اجتمعت في فيه حين تريد أن تخرج كما يستنقع الماء في قراره، والنفس الروح هاهنا، حكاه الهروي (^٢).
***
_________________
(١) أخرجه النسائي (٤/ ٨ - ٩) وابن حبان (٢٨٤/ ٣٠١٤/٧) والحاكم (١/ ٣٥٢ - ٣٥٣)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٣٠٩).
(٢) انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» (٥/ ٩٤) و«الغريبين في القرآن والحديث» للهروي (١٨٨١/ ٦).
[ ١ / ٧٢ ]