وأما الكافر فتؤخذ نفسه عنفا، فإذا وجهه كأكل الحنظل، والملك يقول:
_________________
(١) هذا الكلام الذي نقله القرطبي عن الغزالي - رحمهما الله - مما لا يقال بالرأي، ولا دليل عليه. لكن صح في «الصحيحين» حديث الملكين وسؤالهما، والعروج بالروح إلى السماء، وما في «الصحيح» يغني، والحمد لله على توفيقة.
(٢) هذه المنامات ظاهرها النكارة، وكان الأولى تنزيه الكتاب من مثلها، وخاصة أنها متعلقة بالله جل في علاه، ونسبة قول إلى الله لا يصحّ عن طريق مثل هذه المنامات، إنما نأخذه من المسند الصحيح من كلام النبي صلوات الله وسلامه عليه.
[ ١ / ٧٨ ]
أخرجي أيتها النفس الخبيثة من الجسد الخبيث، فإذا له صراخ أعظم ما يكون كصراخ الحمير، فإذا قبضها عزرائيل (^١) ناولها زبانية قباح الوجوه، سود الثياب منتني الرائحة، بأيديهم مسوح من شعر، فيلفونها فيستحيل شخصا إنسانيّا على قدر الجرادة، فإن الكافر أعظم جرما من المؤمن يعني في الجسم في الآخرة. وفي الصحيح: «أن ضرس الكافر في النار، مثل أحد» (^٢). فيعرج به حتى ينتهي إلى سماء الدنيا، فيقرع الأمين الباب، فيقال: من أنت؟ فيقول أنا دقيائيل لأن اسم الملك الموكل على زبانية العذاب دقيائيل (^٣)، فيقال: من معك؟ فيقول: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه وأبغضها إليه في دار الدنيا، فيقال: لا أهلا ولا سهلا، ولا مرحبا، ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ٤٠]. فإذا سمع الأمين هذه المقالة، طرحه من يده، ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ أي: بعيد، وهو قوله ﷿: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، فإذا انتهى إلى الأرض ابتدرته الزبانية، وسارت به إلى سجين، وهي صخرة عظيمة تأوي إليها أرواح الفجار. وأما النصارى واليهود، فمردودون من الكرسي إلى قبورهم، هذا من كان منهم على شريعته، ويشاهد غسله ودفنه.
وأما المشرك فلا يشاهد شيئا من ذلك، لأنه قد هوي به. وأما المنافق فمثل الثاني يرد ممقوتا مطرودا إلى حفرته. وأما المقصرون المؤمنون فتختلف أنواعهم، فمنهم ترده صلاته، لأن العبد إذا قصّر في صلاته كان سارقا لها. فتلف كما يلف الثوب الخلق، ويضرب بها وجهه. ثم تعرج وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني، ومنهم من تردّه زكاته لأنه إنما يزكي ليقال: فلان متصدق، وربما وضعها عند النساء، ولقد رأيناه عافانا الله مما حل به، ومن الناس من يرده صومه، لأنه صام عن الطعام ولم يصم عن الكلام، فهو رفث وخسران، فيخرج الشهر وقد بهرجه، ومن الناس من يرده حجّه، لأنه إنما حج ليقال فلان حج، أو يكون حج بمال خبيث، ومن الناس من يرده العقوق، وسائر أحوال البر كلها لا يعرفها إلا العلماء بأسرار المعاملات، وتخليص العمل الذي للملك الوهاب، فكل هذه المعاني
_________________
(١) هذا اللفظ يطلقه البعض على ملك الموت، وهو لفظ محدث لا أصل له، ولا يصح تسمية ملك الموت بهذا الاسم. انظر «معجم المناهي اللفظية» للعلاّمة بكر بن عبد الله أبو زيد ص ٣٩٠.
(٢) «صحيح مسلم» (٢٨٥١).
(٣) لم يرد هذا في حديث صحيح، والله أعلم.
[ ١ / ٧٩ ]
جاءت بها الآثار والأخبار، كالخبر الذي رواه معاذ بن جبل ﵁ في رد الأعمال، وغيره.
فإذا ردت النفس إلى الجسد ووجدته قد أخذ في غسله إن كان قد غسل، فتقعد عند رأسه حتى يغسل، فإذا أدرج الميت في أكفانه صارت ملتصقة بالصدر من خارج الصدر، ولها خوار وعجيج تقول: أسرعوا بي إلى رحمة الله، أي رحمة لو تعلمون ما أنتم حاملوني إليه، وإن كان يبشر بالشقاء تقول: رويدا إلى أي عذاب لو تعلمون ما أنتم حاملوني إليه، فإذا أدخل القبر وهيل عليه التراب؛ ناداه القبر:
كنت تفرح على ظهري، فاليوم تحزن في بطني، كنت تأكل الألوان على ظهري، فالآن يأكلك الدود في بطني، ويكثر عليه مثل هذه الألفاظ الموبخة حتى يسوّى عليه التراب، ثم يناديه ملك يقال له رومان، وهو أول ما يلقى الميت إذا دخل قبره على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، والله أعلم بغيبه وأحكم.
***