إن قال قائل: كيف الجمع بين هذه الآي، وكيف يقبض ملك الموت في زمن واحد أرواح من يموت بالمشرق والمغرب؟ قيل له: اعلم أن التوفي مأخوذ من:
توفيت الدين واستوفيته، إذا قبضته، ولم يدع منه شيئا، فتارة يضاف إلى ملك الموت لمباشرته ذلك، وتارة إلى أعوانه من الملائكة، لأنهم قد يتولون ذلك أيضا، وتارة إلى الله تعالى وهو المتوفّى على الحقيقة كما قال ﷿: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [الحج: ٦٦] وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ [الملك: ٢]. فكل مأمور من الملائكة، فإنما يفعل ما يفعل بأمره.
وقال الكلبي: يقبض ملك الموت الروح من الجسد، ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة إن كان مؤمنا، وإلى ملائكة العذاب إن كان كافرا. وهذا المعنى منصوص في حديث البراء، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
وفي الخبر عن النبي ﷺ: «إن ملك الموت ليهيب بالأرواح، كما يهيب أحدكم بفلوّه أو فصيله ألا هلمّ ألا هلمّ». يهيب: يدعو. يقال: أهاب الرجل بغنمه أي صاح بها لتقف أو لترجع، وأهاب بالبعير.
قال طرفة يصف ناقته:
تريع إلى صوت المهيب وتتقي … بذي خصل روعات أكلب ملبد
تريع: معناه: تعود وترجع.
وقال الشاعر:
طمعت بليلى إذ تريع وإنما … تقطع أرقاب الرجال المطامع
والخصل: أطراف الشجر المتدلية، والروعات: جمع روعة وهي الفزعة،
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٧٦٣).
[ ١ / ٨١ ]
وأكلب الرجل إذا أكلبت إبله، والكلب شبيه بالجنون، وقال جميعه الجوهري.
وقال القتال الكلابي:
أهابوا به فازداد بعد وصدّه … عن القرب منهم ضوء برق ووابله
يعني فصل السهم.
فأخبر ﷺ أنه يدعو الأرواح التي يتوفاها الله ويقبضها.
وفي الخبر: «أن ملك الموت جالس وبين يديه صحيفة يكتب فيها له في ليلة النصف من شعبان». وهي الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم من الأرزاق والآجال في قول بعض العلماء كعكرمة وغيره. والصحيح أن الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم ليلة القدر من شهر رمضان، وهو قول قتادة والحسن ومجاهد وغيرهم، يدل عليه قوله تعالى: ﴿حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنّا أَنْزَلْناهُ﴾ [الدخان: ١ - ٣] يعني القرآن ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] يعني ليلة القدر، وهذا بيّن (^١).
وقال ابن عباس: إن الله تعالى يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان، ويسلّمها إلى أربابها في ليلة القدر (^٢). وكان هذا جمعا بين القولين والله أعلم.
فإذا انقضى عمر ذلك الشخص الذي حان قبض روحه، سقطت ورقة من سدرة المنتهي التي فيها اسمه على اسمه في الصحيفة، فعرف أن قد فرغ أجله وانقطع أكله.
وفي الخبر؛ أن ملك الموت تحت العرش يسقط عليه صحائف من يموت من تحت العرش. الصحف هنا ورق السدرة. والله أعلم.
وكما في الخبر قبله: فإذا نظر إلى الإنسان، قد نفد رزقه وانقطع أكله، ألقى عليه سكرات الموت، فغشيته كرباته، وأدركته سكراته.
وفي خبر الإسراء عن ابن عباس عن النبي ﷺ، قال: «مررت على ملك آخر جالس على كرسي، إذا جميع الدنيا ومن فيها بين ركبتيه، وبيده لوح مكتوب ينظر فيه، لا يلتفت عنه يمينا ولا شمالا، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا ملك الموت فقلت:
يا ملك الموت! كيف تقدر على قبض جميع أرواح من في الأرض برّها وبحرها؟ قال:
ألا ترى أن الدنيا كلها بين ركبتي، وجميع الخلائق بين عيني، ويداي تبلغان المشرق والمغرب؟ فإذا نفد أجل عبد نظرت إليه، فإذا نظرت إليه عرف أعواني من الملائكة أنه
_________________
(١) انظر «الجامع لأحكام القرآن» للمصنف (١٦/ ١٢٦ - ١٢٨). وقال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (٤/ ١٧٣): «من قال أنها ليلة النصف من شعبان فقد أبعد النجعة».
(٢) لم أقف عليه.
[ ١ / ٨٢ ]
مقبوض، غدوا فبطشوا به يعالجون نزع روحه، فإذا بلغوا بالروح الحلقوم، علمت ذلك فلم يخف عليّ شيء من أمره، مددت يدي فأنزعه من جسده وآلي قبضه» (^١).
وفي الخبر؛ أنه ينزل عليه أربعة من الملائكة: ملك يجذب النفس من قدمه اليمنى، وملك يجذبها من يده اليسر. ذكره أبو حامد.
وقال: وربما كشف للميت عن الأمر الملكوتي قبل أن يغرغر، فيعاين الملائكة على حقيقة عمله، على ما يتحيزون إليه من عالمهم، فإن كان لسانه منطلقا حدث بوجودهم، وربما أعاد على نفسه الحديث بما رأى، وظن أن ذلك من فعل الشيطان به، فيسكت حين يعقل لسانه وهم يجذبونها من أطراف البنان ورؤوس الأصابع، والنفس تنسلّ انسلال القذاة من السقا. والفاجر تسل روحه كالسّفود من الصوف المبلول. هكذا حكى صاحب الشرع ﵇. والميت يظن أن بطنه ملئت شوكا، كأنما نفسه تخرج من ثقب إبرة، وكأن السماء انطبقت على الأرض وهو بينهما، فإذا احتضرت نفسه إلى القلب، مات لسانه عن النطق فما أحد ينطق، والنفس مجموعة في صدره لسرّين: أحدهما: أن الأمر عظيم قد ضاق صدره بالنفس المجتمعة فيه، ألا ترى أن الإنسان إذا أصابته ضربة في الصدر بقي مدهوشا، فتارة لا يقدر على الكلام، وكل مطعون يطعن يصوّت، إلا مطعون الصدر فإنه يخر من غير تصويت.
وأما السر الآخر؛ فلأن الذي فيه حركة الصوت المندفعة من الحرارة الغريزية فصار نفسه متغير الحالتين، حال الارتفاع والبرودة، لأنه فقد الحرارة، فعند هذا الحين تختلف أحوال الموتى، فمنهم من يطعنه الملك حينئذ بحربة مسمومة قد سقيت سمّا من نار فتفر الروح، وتفيض خارجة، فيأخذها الملك في يده وهي ترعد أشبه شيء بالزئبق، على قدر الجرادة شخصا إنسانيّا، ثم يناولها الزبانية.
ومن الموتى من تجذب نفسه رويدا حتى تنحصر في الحنجرة، وليس يبقى في الحنجرة إلا شعبة متصلة بالقلب، فحينئذ يطعنها بتلك الحربة الموصوفة.
قال الشيخ المؤلف ﵀: لم أجد لهذه الحربة في الأخبار ذكرا إلا ما ذكره أبو نعيم الحافظ.
قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله بن محمود قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال: حدّثنا سلمة بن شبيب، قال: حدّثنا الوليد بن مسلم، قال: حدّثنا ثور ابن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل قال: إن لملك الموت عليه
_________________
(١) لم أقف عليه.
[ ١ / ٨٣ ]
السلام حربة تبلغ ما بين المشرق والمغرب، فإذا انقضى أجل عبد من الدنيا، ضرب رأسه بتلك الحربة وقال: الآن يزار بك عسكر الأموات (^١).
وروى سليمان بن معمر الكلابي قال: حضرت مالك بن أنس وأتاه رجل فسأله: يا أبا عبد الله، البراغيث أملك الموت يقبض أرواحها؟ فأطرق مالك طويلا ثم قال: لها نفس؟ قال: نعم، قال: ملك الموت يقبض أرواحها ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢]. ذكره الخطيب أبو بكر ﵀.
***