قلت: لا تعارض بين هذه الترجمة والتي قبلها لما نبينه.
أما يوسف ﵇؛ فقال قتادة: لم يتمنّ الموت أحد؛ نبي ولا غيره، إلا يوسف ﵇ حين تكاملت عليه النعم وجمع له الشمل، اشتاق إلى لقاء ربه ﷿ فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١]، فاشتاق إلى لقاء ربه ﷿. وقيل: إن يوسف ﵇ لم يتمن الموت، وإنما تمنى الموافاة على الإسلام. أي: إذا جاء أجلي توفني مسلما.
وهذا هو القول المختار في تأويل الآية عند أهل التأويل، والله أعلم (^٢).
وأما مريم ﵍ فإنما تمنّت الموت لوجهين: أحدهما: أنها خافت أن يظنّ بها السوء في دينها وتعيّر، فيفتنها ذلك. الثاني: لئلاّ يقع قوم بسببها في
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٥٧/ ٥٢/١) كتاب الجنائز - والبخاري (٧١١٥) ومسلم (٢٩٠٧).
(٢) انظر في ذلك: «الجامع لأحكام القرآن» للمصنف (٩/ ٢٦٩) و«تفسير القرآن العظيم» للحافظ ابن كثير (٢/ ٦٣٩).
[ ١ / ١٤ ]
البهتان والزور والنسبة إلى الزنا، وذلك مهلك لهم. والله أعلم.
وقد قال الله ﷿ في حقّ من افترى على عائشة ﵂: ﴿وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١] وقال: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] وقد اختلف في مريم ﵍؛ هل هي صدّيقة لقوله تعالى:
﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥] أو نبيّة لقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا﴾ [مريم: ١٧]، وقوله: ﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاكِ﴾ [آل عمران: ٤٢] الآية (^١). وعليه فيكون الافتراء عليها أعظم والبهتان في حقها أشد، وفيه يكون الهلاك حقّا. فعلى هذا الحد الذي ذكرناه من التأويلين يكون تمني الموت في حقها جائزا، والله أعلم.
وأما الحديث؛ فإنما هو خبر أن ذلك سيكون لشدّة ما ينزل بالناس من فساد الحال في الدين، وضعفه وخوف ذهابه، لا لضرّ ينزل بالمرء في جسمه، أو غير ذلك، من ذهاب ماله مما يحط به عنه خطاياه. ومما يوضح هذا المعنى ويبينه قوله ﵇: «اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بالناس - ويروى أدرت - في الناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» رواه مالك (^٢).
_________________
(١) والاختلاف الذي ذكره المصنف ﵀ حول نبوة مريم ﵍؛ كثر فيه كلام أهل العلم، وقد نصر المصنف وكذا شيخه أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي القول الذي يقول بأن مريم بنت عمران نبيّة، صرّح المصنف بذلك في تفسيره «الجامع لأحكام القرآن» (٤/ ٨٣ - ٨٤) وبه قال شيخه أبو العباس من قبله كما في «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» (٣٣٢/ ٦)، ونصر هذا المذهب ابن حزم كما في «الفصل في الملل والنحل» وأبو الحسن الأشعري، ويبدو من كلام الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٥١٥ - ٥١٦، ٥٤٦) نصرته لهذا المذهب. والذي عليه جمهور العلماء خلاف هذا القول؛ قال الحافظ النووي ﵀ في «شرح صحيح مسلم» (١٥/ ١٩٨ - ١٩٩): «والجمهور على أنهما ليستا - أي مريم وآسية امرأة فرعون - نبيتين، بل هما صديقتان ووليتان من أولياء الله تعالى» ثم قال بعد أن نقل قول القاضي عياض: «وهذا الذي نقله من القول بنبوتهما غريب ضعيف، وقد نقل جماعة الإجماع على عدمها، والله أعلم»، وانظر «الأذكار» له ص ١٧٨. وذكر شيخ الإسلام عن الباقلاني والقاضي أبي يعلى والجويني، الإجماع على عدم نبوة النساء. «مجموعة الفتاوى» - الطبعة الجديدة - (٤/ ٢٤٢ و١١/ ١٩٩ و١٨/ ١٥٠) وغيرها، وانظر «تفسير ابن كثير» (٢/ ١١٣).
(٢) في «الموطأ» بلاغا (١٤٢/ ٤٠/١) ١٥ - كتاب القرآن، (٩) - باب العمل في الدعاء. وأخرجه أحمد (١/ ٣٦٨) والترمذي (٣٢٣٣) وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» (٦٨٢). من طريق: عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس؛ ضمن حديث طويل. -
[ ١ / ١٥ ]
ومثل هذا قول عمر ﵁: «اللهم قد ضعفت قوتي، وكبرت سنّي، وانتشرت رعيّتي، فاقبضني إليك غير مضيّع ولا مقصّر» فما جاوز ذلك الشهر حتى قبض ﵀، رواه مالك أيضا (^١).
وذكر أبو عمر ابن عبد البر في «التمهيد» و«الاستذكار» من حديث زاذان أبي عمر، عن عليم الكندي قال: كنت جالسا مع أبي العباس الغفاري (^٢) على سطح، فرأى ناسا يتحملون من الطاعون، فقال: يا طاعون خذني إليك (يقولها ثلاثا)، فقال عليم: لم تقول هذا؟! ألم يقل رسول الله ﷺ: «لا يتمنينّ أحدكم الموت فإنه عند ذلك انقطاع عمله ولا يرد فيستعتب». فقال عبس: أنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بادروا بالموت ستّا: إمرة السفهاء، وكثرة الشّرط، وبيع الحكم، واستخفافا بالدم، وقطيعة الرحم، ونشئا يتخذون القرآن مزامير، يقدمون الرجل ليغنّيهم بالقرآن وإن كان أقلّهم فقها» (^٣). وسيأتي لهذا مزيد بيان في الفتن - إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) = - وإسناده صحيح، صحّحه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٤٠٢) وقال: «وسنده صحيح، وقد تكلّمت عليه في أول «الجنائز» من «إرواء الغليل» وقد كنت ذهبت في بعض التعليقات إلى تضعيف الحديث؛ فقد رجعت عنه …». وانظر «إرواء الغليل» (١٤٧/ ٦٨٤/٣). وأخرجه أحمد (٥/ ٢٤٣) والترمذي (٣٢٣٥) من طريق: جهضم بن عبد الله اليمامي، حدثنا يحيى بن كثير، حدثنا زيد بن أبي سلام، أنه حدّثه عبد الرحمن بن عياش الحضرمي، عن مالك بن يخامر؛ أن معاذ بن جبل قال: فذكر حديثا طويلا وفيه هذا الدعاء. وإسناده ضعيف، جهضم بن عبد الله اليمامي؛ «صدوق يكثر عن المجاهيل»، «تقريب» (٩٨٢). وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (١٢٣٣) من حديث معاذ. لكن يشهد له حديث ابن عباس كما تقدّم، فالحديث صحيح، والله أعلم.
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٢٦٨) -٤١ - كتاب الحدود، رقم (١٠). من طريق: يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه سمعه يقول: فذكر خبرا وفيه هذا الدعاء. وقال ابن عبد البر: «هذا حديث مسند صحيح». ثم ذكر بعد ذلك الخلاف حول سماع سعيد بن المسيّب من عمر، ورجّح سماعه، وهو الحقّ إن شاء الله تعالى في هذه المسألة حيث ذكر الحافظ ابن حجر سندا صحيحا بسماع سعيد من عمر؛ بيّنت ذلك في تخريج كتاب «الإتقان في علوم القرآن» للسيوطي، بجمع أقوال أهل العلم حول هذه المسألة.
(٣) كذا والصواب: «مع عبس الغفاري».
(٤) أخرجه أحمد (٣/ ٤٩٤) والطيراني في «المعجم الكبير» (١٨ /رقم: ٦١) وابن عبد البر في التمهيد، (١٨/ ١٤٧) و«الاستذكار» (٢١٠/ ١٢١٥٤/٨) من طريق شريك، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن عليم به. وإسناده ضعيف؛ شريك بن عبد الله، ضعيف، وكذا أبو اليقظان؛ وهو عثمان بن عمير؛ «ضعيف، واختلط، وكان يدلّس». وأخرجه الطبراني في «الكبير» (١٨ /رقم: ٥٨، ٥٩، ٦٠) والبزار (٢٤١/ ١٦١٠/٢) - كشف -
[ ١ / ١٦ ]