القبر واحد القبور في الكثرة، وأقبر في القلّة، ويقال للمدفن، مقبر.
قال الشاعر:
لكلّ أناس مقبر بفنائهم … وهم ينقصون والقبور تزيد (^٤)
واختلف في أول من سنّ القبر؟ فقيل: الغراب لمّا قتل قابيل هابيل. وقيل بنو إسرائيل، وليس بشيء. وقد قيل: كان قابيل يعلم الدفن، ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافا به. فبعث الله غرابا يحثّ التراب على هابيل ليدفنه. فقال عند ذلك: ﴿يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] حيث رأى إكرام الله لهابيل بأن قيّض الله الغراب له حتى واراه، ولم يكن ذلك ندم توبة. وقيل: ندمه إنما كان على فقده، لا على قتله.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٣٦٧) بإسناد حسن كما في «المشكاة» (١٣٢).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٣٠٩) بإسناد حسن.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٤١٩٥) وأحمد (٤/ ٢٩٤)، وهو في «الصحيحة» برقم (١٧٥١).
(٤) انظر «لسان العرب» (١١/ ٩).
[ ١ / ١٠٩ ]
قال ابن عباس: ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة. ويقال: إنه لما قتله قعد يبكي عند رأسه، إذ أقبل غرابان فاقتتلا، فقتل أحدهما الآخر، ثم حفر له حفرة فدفنه، ففعل القاتل بأخيه كذلك، فبقي ذلك سنّة لازمة في بني آدم.
وفي التنزيل: ﴿ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] أي: جعل له قبرا يوارى إكراما له، ولم يجعله مما يلقى على وجه الأرض تأكله الطير والعوافي. قاله الفرّاء.
وقال أبو عبيدة: أقبره: جعل له قبرا وأمر أن يقبر، قال أبو عبيدة: ولما قتل عمر بن هبيرة صالح بن عبد الرحمن، قالت بنو تميم؛ ودخلوا عليه: أقبرنا صالحا، فقال: دونكموه.
وحكم القبر: أن يكون مسنّما مرفوعا على وجه الأرض قليلا (^١)، غير مبنيّ بالطين والحجارة والجص، فإن ذلك منهي عنه.
وروى مسلم عن جابر، قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يجصّص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه» (^٢)، وخرّجه الترمذي أيضا عن جابر، قال: «نهى رسول الله ﷺ أن تجصّص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ». قال أبو عيسى:
هذا حديث صحيح (^٣).
قال علماؤنا ﵏: وكره مالك تجصيص القبور، لأن ذلك من المباهاة، وزينة الحياة الدنيا وتلك منازل الآخرة، وليس بموضع المباهاة، وإنما يزين الميت في قبره علمه.
وأنشدوا:
وإذا وليت أمور قوم ليلة … فاعلم بأنّك بعدها مسؤول
وإذا حملت إلى القبور جنازة … فاعلم بأنّك بعدها محمول
يا صاحب القبر المنقش سطحه … ولعله من تحته مغلول
وفي «صحيح مسلم» عن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ ألاّ تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته» (^٤).
وقال أبو داود في «المراسيل»، عن عاصم بن أبي صالح: رأيت قبر النبي
_________________
(١) ولا يزيد هذا الارتفاع عن شبر، كما سيأتي.
(٢) أخرجه مسلم (٩٧٠).
(٣) «سنن الترمذي» رقم (١٠٥٢).
(٤) أخرجه مسلم (٩٦٩).
[ ١ / ١١٠ ]
ﷺ شبرا أو نحوا من شبر، يعني في الارتفاع (^١).
قال علماؤنا - رحمة الله عليهم - يسنّم القبر ليعرف، كي يحترم، ويمنع من الارتفاع الكثير، الذي كانت الجاهلية تفعله، فإنها كانت تعلي عليها؛ وتبني فوقها تفخيما لها وتعظيما؛ وأنشدوا:
أرى أهل القصور إذا أميتوا … بنوا فوق المقابر بالصخور
أبو إلا مباهاة وفخرا … على الفقراء حتى في القبور
لعمرك لو كشفت الترب عنهم … فما تدري الغنيّ من الفقير
ولا الجلد المباشر ثوب صوف … من الجلد المباشر للحرير
إذا أكل الثرى هذا وهذا … فما فضل الغنيّ على الفقير؟
يا هذا، أين الذي جمعته من الأموال، وأعددته للشدائد والأهوال؟ لقد أصبحت كفّك منه عند الموت خالية صفرا، وبدلت من بعد غناك وعزّك ذلا وفقرا، فكيف أصبحت يا رهين أوزاره، ويا من سلب من أهله ودياره؟ ما كان أخفى عليك سبيل الرشاد، وأقل اهتمامك لحمل الزاد، إلى سفرك البعيد، وموقفك الصعب الشديد، أو ما علمت يا مغرور! أن لا بد من الارتحال، إلى يوم شديد الأهوال، وليس ينفعك ثمّ قيل ولا قال، بل يعد عليك بين يدي الملك الديان، ما بطشت اليدان، ومشت القدمان ونطق به اللسان، وعملت الجوارح والأركان، فإن رحمك فإلى الجنان، وإن كانت الأخرى فإلى النيران، يا غافلا عن هذه الأحوال! إلى كم هذه الغفلة والتوان، أتحسب أن الأمر صغير، وتزعم أن الخطب يسير؟ وتظن أن سينفعك حالك، إذا آن ارتحالك، أو ينقذك مالك، حين توبقك أعمالك، أو يغني عنك ندمك، إذا زلّت بك قدمك، أو يعطف عليك معشرك، حين يضمك محشرك، كلا والله ساء ما تتوهّم، ولا بد لك أن ستعلم، لا بالكفاف تقنع، ولا من الحرام تشبع، ولا للعضاة تستمع، ولا بالوعيد ترتدع، دأبك أن تنقلب مع الأهواء، وتخبط خبط العشواء، يعجبك التكاثر بما لديك، ولا تذكر ما بين يديك، يا نائما في غفلة وفي خبطة يقظان، إلى كم هذه الغفلة والتوان، أتزعم أن ستترك سدى، وأن لا تحاسب غدا، أم تحسب أن الموت يقبل الرّشا، أم تميز بين الأسد والرّشا، كلا والله لن يدفع عنك الموت مال ولا بنون، ولا ينفع أهل القبور إلاّ العمل المبرور، فطوبى لمن سمع ووعى، وحقّق ما ادّعى، ونهى النفس عن الهوى، وعلم أن الفائز من ارعوى، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾
_________________
(١) أخرجه أبو داود في «المراسيل» (٤٢١) عن صالح بن أبي الأخضر. وصالح؛ ضعيف.
[ ١ / ١١١ ]
[النجم: ٣٩، ٤٠] فانتبه من هذه الرقدة، واجعل العمل الصالح لك عدّة، ولا تتمن منازل الأبرار، وأنت مقيم على الأوزار، عامل بعمل الفجار، بل أكثر من الأعمال الصالحات، وراقب الله في الخلوات، رب الأرض والسموات، ولا يغرنّك الأمل، فتزهد عن العمل، أو ما سمعت الرسول حيث يقول، لما جلس على القبور: «يا إخواني، لمثل هذا فأعدوا»، أو ما سمعت الذي خلقك فسواك، يقول: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ [البقرة: ١٩٧].
وأنشدوا:
تزوّد من معاشك للمعاد … وقم لله واعمل خير زاد
ولا تجمع من الدنيا كثيرا … فإن المال يجمع للنّفاد
أترضى أن تكون رفيق قوم … لهم زاد وأنت بغير زاد؟
وقال آخر:
إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى … ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله … وأنك لم ترصد كما كان أرصدا
وقال آخر:
الموت بحر طافح موجه … تذهب فيه حيلة السابح
يا نفس إني قائل فاسمعي … مقالة من مشفق ناصح
لا ينفع الإنسان في قبره … غير التقى والعمل الصالح
وقال آخر:
أسلمني الأهل ببطن الثرى … وانصرفوا عني فيا وحشتا
وغادروني معدما بائسا … ما بيدي اليوم إلا البكا
وكلّ ما كان كأن لم يكن … وكلّ ما حذرته قد أتى
وذاكم المجموع والمقتنى … قد صار في كفي مثل الهبا
ولم أجد لي مؤنسا هاهنا … غير فجور موبق أو بقا
فلو تراني وترى حالتي … بكيت لي يا صاح مما ترى
وقال آخر:
ولدتك إذ ولدتك أمّك باكيا … والقوم حولك يضحكون سرورا
فاعمل ليوم أن تكون إذا بكوا … في يوم موتك ضاحكا مسرورا
وروي عن محمد القرشي أنه قال: سمعت شيخنا يقول: أيها الناس! إني لكم
[ ١ / ١١٢ ]
ناصح، وعليكم شفيق، فاعملوا في ظلمة الليل لظلمة القبر، وصوموا في الحر قبل يوم النشور، وحجوا يحط عنكم عظائم الأمور، وتصدّقوا مخافة يوم عسير.
وكان يزيد الرقاشي يقول في كلامه: أيها المقبور في حفرته، المتخلي في القبر بوحدته، المستأنس في بطن الأرض بأعماله، ليت شعري بأي أعمالك استبشرت وبأي أحوالك اغتبطت؟ ثم يبكي حتى يبل عمامته، ويقول: استبشر - والله - بأعماله الصالحة، واغتبط - والله - بإخوانه المعاونين له على طاعة الله، وكان إذا نظر إلى القبر صرخ كما يصرخ الثور.
وسيأتي أن القبر يكلم العبد إذا وضع فيه، وما فيه من الموعظة - إن شاء الله تعالى.
***