قال علماؤنا: ويستحب لك - رحمك الله - أن تقصد بميتك قبور الصالحين، ومدافن أهل الخير، فتدفنه معهم، وتنزله بإزائهم، وتسكنه في جوارهم، تبرّكا بهم (^٣)، وتوسلا إلى الله ﷿ بقربهم (^٤)، وأن تجتنب به قبور من سواهم، من يخاف التأذي بمجاورته، والتألم بمشاهدة حاله حسب ما جاء في الحديث.
يروى أن امرأة دفنت بقرطبة - أعادها الله - فأتت أهلها في النوم، فجعلت تعتبهم وتشكوهم وتقول: ما وجدتم أن تدفنوني إلاّ إلى فرن الجير؟ فلما أصبحوا نظروا فلم يروا في ذلك الموضع كلّه ولا بقربه فرن جير. فبحثوا وسألوا عن من كان مدفونا بإزائها؟ فوجدوه رجلا سيافا كان لابن عامر وقبره إلى قبرها،
_________________
(١) إسناده ضعيف لأجل عبد الله بن محمد بن عقيل.
(٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٣٥٤)، وقال الألباني في «الضعيفة» (٦١٣): «موضوع».
(٣) لم يثبت بهذا نص، ولا يصح التبرك بالمقبورين.
(٤) وهذا لا يصح أيضا.
[ ١ / ١١٧ ]
فأخرجوها من جواره. ذكر هذا أبو محمد عبد الحق في كتاب «العاقبة» له.
وعن أعرابي أنه قال لولده: ما فعل الله بك؟ قال: ما ضرني إلاّ أني دفنت بإزاء فلان، وكان فاسقا قد روّعني ما يعذّب به من أنواع العذاب!
وروى أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم بن محمد الختلي في كتاب «الديباج» له، وحدّثني أبو الوليد رباح بن الوليد الموصلي، قال: وحدّثت عن عبد الملك بن عبد العزيز عن طاوس بن ذكران اليماني، أنه أخبرهم؛ أنه قدم حاجّا فمر بالأبطح عند المقابر مع رفقاء له فقال: بينا أنا أصلي في جوف الليل وعليّ برد لي أحرش - أخذته باليمن بسبعين دينارا - وقبر قريب مني محفور؛ إذ رأيت شمعا قد أقبل به مع جنازة، فإذا قائل يقول في قبر قريب من القبر المحفور: اللهم إني أعوذ بك من الجار السوء.
قال: فركعت ثم سجدت وسلّمت، ثم خرجت حتى لقيت أصحاب الجنازة، فسلّمت وقلت: لا تقربونا وتنحّوا عنا - عافاكم الله - قالوا: ما نستطيع ذلك، وقد حفرنا قبرنا هذا، ولا نستطيع أن نذهب إلى غيره. فقلت: من أولى بالجنازة؟ فقالوا: هذا ابنه.
فقلت له: هل لك أن تتنحّى عنا وتناولني ثوبك هذا الذي عليك، فألبسه وأعطيك بردي هذا، فإني قد أخذته باليمن بسبعين دينارا، وهو هنا خير من سبعين؟ فإن كان على أبيك دين قضيته عنه، وإن لم يكن؛ انتفع بذلك الورثة. وتكفّ عنّا ما نكره.
قال: فأنكر القوم قولي أن يكون على رجل برد يلتف به ثمنه سبعون دينارا. فاحتجت إلى أن أخبرهم من أنا؟ فقلت: تعرفون طاوس اليماني؟ قالوا: نعم. قلت: فأنا طاوس اليماني، وما قلت لكم في البرد إلا حقّا. فناولني الرجل رداءه وأخذ ردائي وانصرف عنا، وأقبلت حتى وقفت على صاحب القبر، فقلت: ما كان لك ليجاورك جار تكرهه وأنا أستطيع رده. ثم عدت إلى صلاتي!
***