قال علماؤنا رحمة الله عليهم: قال بعض العلماء أو أكثرهم: إنما يعذب الميت ببكاء الحي إذا كان البكاء من سنّة الميت واختياره، كما قال:
إذا متّ فانعيني بما أنا أهله … وشقّي عليّ الجيب يا ابنة معبد
وكذلك إذا وصّى به. وقد روي ما يدل على أن الميت يصيبه عذاب ببكاء الحي عليه، وإن لم يكن من سنته، ولا من اختياره، ولا مما أوصى به. واستدلوا بحديث أنس المذكور، وبما روي من حديث قيلة بنت مخرمة، وذكرت عند النبي ﷺ ولدا لها مات ثم بكت، فقال رسول الله ﷺ: ««أيغلب أحيدكم أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفا، فإذا حال بينه وبين من هو أولى به منه استرجع؟» ثم قال:
«اللهم أثبني فيما أمضيت، وأعني على ما أبقيت، فوالذي نفس محمد بيده إن أحيدكم ليبكي فيستعبر له صويحبه، يا عباد الله لا تعذّبوا موتاكم». ذكره ابن أبي خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهما (^٢). وهو حديث معروف إسناده لا بأس به وسياقه يدل على أن بكاء هذه لم يكن من اختيار لابنها لأن ابنها صاحب من أصحاب رسول الله ﷺ. ولا كان هذا البكاء المعروف في الجاهلية الذي كان من اختيار الميت ومما يوصي به.
وذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب «الاستيعاب» من حديث أبي موسى
_________________
(١) حديث ضعيف؛ لأجل إبراهيم بن هدبة.
(٢) أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٢/ ٥٨/١) الطبعة القديمة.
[ ١ / ١٢٤ ]
الأشعري عن النبي ﷺ قال: «الميت يعذّب ببكاء الحي عليه، إذا قالت النائحة وا عضداه وا ناصراه وا كاسياه جبذ الميت وقيل له: أنت عضدها؟ أنت ناصرها؟ أنت كاسيها؟» (^١).
وذكر البخاري من حديث النعمان بن بشير قال: أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكي وتقول: وا جبلاه، وا كذا، وا كذا. تعدّد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئا إلا قيل لي: أأنت كذلك؟ فلمّا مات لم تبك عليه (^٢).
وهذا أيضا لم يكن من سنّة عبد الله بن رواحة، ولا من اختياره، ولا مما أوصى به، فمصابه في الدين أجلّ وأرفع من أن كان يأمر بهذا أو يوصّي به.
وروى أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من حديث منصور بن زاذان عن الحسن، عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ليعذب الميت بصياح أهله عليه» فقال له رجل: يموت بخراسان ويناح علي هاهنا؟ فقال عمران:
صدق رسول الله ﷺ، وكذبت (^٣).
قال المؤلف ﵁: وهذا بظاهره يفيد أنّ بنفس الصياح يقع التعذيب وليس كذلك، وإنما هو محمول على ما ذكرناه. والله أعلم.
وقال الحسن: إنّ من شر الناس للميت أهله يبكون عليه، ولا يقضون دينه.