قول عمرو بن العاص ﵁: «فإذا أنا متّ فلا تصحبني نائحة ولا نار»، توصية منه باجتناب هذين الأمرين، لأنهما من عمل الجاهلية، ولنهي النبي ﷺ.
قال العلماء: ومن ذلك الضجيج بذكر الله ﷾ أو بغير ذلك حول الجنائز، والبناء على المقابر، والاجتماع في الجبانات والمساجد للقراءة وغيرها، لأجل الموتى، وكذلك الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام، والمبيت عندهم.
كل ذلك من أمر الجاهلية، ونحو منه الطعام الذي يصنعه أهل الميت اليوم في يوم السابع، فيجتمع له الناس يريدون بذلك القربة للميت والترحّم عليه، وهذا محدث لم يكن فيما تقدم، ولا هو مما يحمده العلماء، قالوا: وليس ينبغي للمسلمين أن يقتدوا بأهل الكفر، وينهى كل إنسان أهله عن الحضور لمثل هذا وشبهه من لطم الخدود، ونشر الشعور، وشق الجيوب، واستماع النوح، وكذلك الطعام الذي يصنعه أهل الميت - كما ذكرنا - فيجتمع عليه النساء والرجال من فعل قوم لا خلاق لهم.
وقال أحمد بن حنبل: هو من فعل الجاهلية، قيل له: أليس قد قال النبي ﷺ: «اصنعوا لآل جعفر طعاما» (^١) فقال: لم يكونوا هم اتخذوا، إنما اتّخذ لهم.
فهذا كله واجب على الرجل أن يمنع أهله منه، ولا يرخّص لهم، فمن أباح ذلك لأهله فقد عصى الله ﷿، وأعانهم على الإثم والعدوان، والله تعالى يقول: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا﴾ [التحريم: ٦] قال العلماء: معناه أدّبوهم وعلّموهم.
وروى ابن ماجه في «سننه» عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة» (^٢).
وفي حديث شجاع بن مخلد قال: «كانوا يرون»، إسناده صحيح. وذكر الخرائطي عن هلال بن جناب قال: «الطعام على الميت من أمر الجاهلية».
وخرّج الآجري عن أبي موسى قال: ماتت أخت لعبد الله بن عمر، فقلت لامرأتي: اذهبي فعزّيهم، وبيتي عندهم، فقد كان بيننا وبين آل عمر الذي كان.
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ٢٠٥) وأبو داود (٣١٣٢) وابن ماجه (١٦١٠) وغيرهم، وهو حديث صحيح.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٦١٢) وهو في «صحيح سنن ابن ماجه» برقم (١٣٠٨).
[ ١ / ١٢٩ ]
فجاءت فقال: ألم آمرك أن تبيتي عندهم؟ فقالت: أردت أن أبيت، فجاء ابن عمر فأخرجنا. وقال: «اخرجن لا تبيتن أختي بالعذاب». وعن أبي البختري قال: «بيتوتة الناس عند أهل الميت ليست إلا من أمر الجاهلية».
قال المؤلف ﵀: وهذه الأمور كلها قد صارت عند الناس الآن سنّة وتركها بدعة، فانقلب الحال وتغيّرت الأحوال. قال ابن عباس ﵁: «لا يأتي على الناس عام إلا أماتوا فيه سنة، وأحيوا فيه بدعة، حتى تموت السنن وتحيا البدع، ولن يعمل بالسنن وينكر البدع إلاّ من هوّن الله عليه إسخاط الناس بمخالفتهم فيما أرادوا، ونهيهم عما اعتادوا، ومن يسّر لذلك أحسن الله تعويضه. قال رسول الله ﷺ:
«إنك لن تدع شيئا إلاّ عوضك الله خيرا منه» (^١). وقال ﷺ: «لا يزال في هذه الأمة عصابة يقاتلون على أمر الله لا يضرهم جدال من جادلهم ولا عداوة من عاداهم» (^٢).