ذكر أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة»: وقد روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: يا رسول الله! ما أول ما يلقى الميت إذا دخل قبره؟ قال:
«يا ابن مسعود ما سألني عنه أحد إلاّ أنت؛ فأول ما يناديه ملك اسمه رومان يجوس خلال المقابر فيقول: يا عبد الله اكتب عملك. فيقول: ليس معي دواة ولا قرطاس. فيقول:
هيهات كفنك قرطاسك، ومدادك ريقك، وقلمك إصبعك. فيقطع له قطعة من كفنه، ثم يجعل العبد يكتب، وإن كان غير كاتب في الدنيا، فيذكر حينئذ حسناته وسيئاته كيوم واحد، ثم يطوي الملك القطعة ويعلقها في عنقه».
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٧٥١) وهو في «صحيح سنن أبي داود» (٣٩٧٧).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٧٥٣) وهو في «صحيح سنن أبي داود» (٣٩٧٩).
[ ١ / ١٣٨ ]
ثم قال رسول الله ﷺ: قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] أي: عمله، فإذا فرغ من ذلك دخل عليه فتّانا القبر، وهما ملكان أسودان، يخرقان الأرض بأنيابهما، لهما شعور مسدولة يجرانها على الأرض، كلامهما كالرعد القاصف، وأعينهما كالبرق الخاطف، ونفسهما كالريح العاصف، بيد كل واحد منهما مقمع من حديد لو اجتمع عليه الثقلان ما رفعاه، لو ضرب به أعظم جبل لجعله دكّا، فإذا أبصرتهما النفس ارتعدت، وولّت هاربة، فتدخل في منخر الميت فيحيا الميت من الصدر ويكون كهيئته عند الغرغرة، ولا يقدر على حراك، غير أنه يسمع وينظر قال: «فيقعدانه فيبتدئانه بعنف، وينتهرانه بجفاء وقد صار التراب له كالماء، حيثما تحرك انفسح فيه ووجد فرجة فيقولان له: من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وما قبلتك؟ فمن وفقه الله وثبته بالقول الثابت قال: ومن وكّلكما عليّ؟ ومن أرسلكما إليّ؟ وهذا لا يقوله إلا العلماء الأخيار. فيقول أحدهما للآخر: صدق. كفي شرّنا، ثم يضربان عليه القبر كالقبة العظيمة، ويفتحان له بابا إلى الجنة من تلقاء يمينه، ثم يفرشان له من حريرها وريحانها، ويدخل عليه من نسيمها وروحها وريحانها، ويأتيه عمله في صورة أحب الأشخاص إليه، يؤنسه ويحدثه ويملأ قبره نورا، ولا يزال في فرح وسرور ما بقيت الدنيا حتى تقوم الساعة، ويسأل: متى تقوم الساعة؟ فليس شيء أحب إليه من قيامها.
ودونه في المنزلة المؤمن العامل الخير ليس معه حظّ من العلم، ولا من أسرار الملكوت، يلج عليه عمله عقيب رومان في أحسن صورة طيب الريح، حسن الثياب، فيقول له: أما تعرفني؟ فيقول: من أنت الذي منّ الله علي بك في غربتي؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فلا تحزن ولا توجل؛ فعمّا قليل يلج عليك منكر ونكير يسألانك فلا تدهش، ثم يلقنه حجته، فبينما هو كذلك، إذ دخلا عليه فينتهرانه ويقعدانه مستندا ويقولان: من ربك؟ - نسق الأول - فيقول: الله ربي، ومحمد نبيي، والقرآن إمامي، والكعبة قبلتي، وإبراهيم أبي، وملته ملتي، غير مستعجم، فيقولان له: صدقت، ويفعلان به كالأول، إلاّ أنهما يفتحان له بابا إلى النار فينظر إلى حيّاتها وعقاربها وسلاسلها وأغلالها وحميمها وجميع غمومها وصديدها وزقومها، فيفزع فيقولان له: لا عليك سوء، هذا موضعك قد أبدله الله تعالى بموضعك هذا في الجنة، نم سعيدا، ثم يغلقان عنه باب النار، ولم يدر ما مر عليه من الشهور والأعوام والدهور. ومن الناس من يحجم في مسألته، فإن كانت عقيدته مختلفة امتنع أن يقول: الله ربي وأخذ غيرها من الألفاظ فيضربانه ضربة يشتعل منها قبره نارا ثم تطفأ عنه أياما، ثم تشتعل عليه أيضا. هذا دأبه ما بقيت الدنيا. ومن الناس من يعتاص عليه ويعسر أن يقول: الإسلام ديني لشك كان يتوهمه، أو فتنة تقع به عند الموت فيضربانه ضربة واحدة فيشتعل عليه قبره نارا كالأول، ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول: القرآن إمامي؛ لأنه كان يتلوه ولا يتعظ به، ولا
[ ١ / ١٣٩ ]
يعمل بأوامره، ولا ينتهي بنواهيه، يطوف عليه دهره ولا يعطي منه نفسه خيره، فيفعل به ما يفعل بالأولين، ومن الناس من يستحيل عمله جروا يعذّب به في قبره على قدر جرمه».
وفي الأخبار: أن من الناس من يستحيل عمله خنوصا - وهو ولد الخنزير - ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول: نبيي محمد؛ لأنه كان ناسيا لسنته، ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول: الكعبة قبلتي لقلة تحريه في صلاته، أو فساده في وضوئه، أو التفات في صلاته، أو اختلال في ركوعه وسجوده، ويكفيك ما روي في فضائلها، أن الله لا يقبل صلاة من عليه صلاة، ومن عليه ثواب حرام. ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول: إبراهيم أبي لأنه سمع كلاما يوما أو همه إن إبراهيم كان يهوديّا أو نصرانيّا، فإذا هو شاك مرتاب، فيفعل به ما يفعل بالآخرين.
وقال أبو حامد: وكل هذه الأنواع كشفناها في كتاب «الإحياء».
وأما الفاجر فيقولان له: من ربك؟ فيقول: لا أدري! فيقولان له: لا دريت ولا عرفت، ثم يضربانه بتلك المقامع حتى يتلجلج في الأرض السابعة، ثم تنفضه الأرض في قبره، ثم يضربانه سبع مرات، ثم تفترق أحوالهم؛ فمنهم من يستحيل عمله كلبا ينهشه حتى تقوم الساعة، وهم الخوارج، ومنهم من يستحيل خنزيرا يعذب به في قبره وهم المرتابون، وهم أنواع. وأصله أن الرجل إنما يعذب في قبره بالشيء الذي كان يخافه في الدنيا. فمن الناس من يخاف من الجرو أكثر من الأسد، وطبائع الخلق متفرقة. نسأل الله السلامة والغفران قبل الندامة.