جاء في حديث البخاري ومسلم سؤال الملكين، وكذلك في حديث الترمذي ونص على اسميهما ونعتهما. وجاء في حديث أبي داود سؤال ملك واحد، وفي حديثه الآخر سؤال ملكين. ولا تعارض في ذلك - والحمد لله - بل كل ذلك صحيح المعنى بالنسبة إلى الأشخاص، فرب شخص يأتيانه جميعا، ويسألانه جميعا في حال واحد عند انصراف الناس، ليكون السؤال عليه أهون، والفتنة في حقه أشد وأعظم، وذلك بحسب ما اقترف من الآثام، واجترح من سيئ الأعمال، وآخر يأتيانه قبل انصراف الناس عنه، وآخر يأتيه أحدهما على الانفراد، فيكون ذلك أخف في السؤال، وأقل في المراجعة والعتاب، لما عمله من صالح الأعمال.
وقد يحتمل حديث أبي داود وجها آخر وهو: أن الملكين يأتيان جميعا ويكون السائل أحدهما، وإن تشاركا في الإتيان؛ فيكون الراوي اقتصر على الملك السائل وترك غيره، لأنه لم يقل في الحديث أنه لا يأتيه إلى قبره إلاّ ملك واحد، ولو قاله
[ ١ / ١٤٠ ]
هكذا صريحا لكان الجواب عنه ما قدمناه من أحوال الناس، والله أعلم. وقد يكون من الناس من يوقى فتنتهما ولا يأتيه أحد منهما، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
واختلفت الأحاديث أيضا في كيفية السؤال والجواب؛ وذلك بحسب اختلاف أحوال الناس، فمنهم من يقتصر على سؤاله عن بعض اعتقاداته، ومنهم من يسأل عن كلّها فلا تناقض. ووجه آخر وهو: أن يكون بعض الرواة اقتصر على بعض السؤال وأتى به غيره على الكمال، فيكون الإنسان مسؤولا عن الجميع. كما جاء في حديث البراء المذكور، والله أعلم. وقول المسؤول: هاه هاه؛ هي حكاية صوت المبهور من تعب، أو جري، أو حمل ثقيل.
***