إذا ثبت ما ذكرناه؛ فاعلم أن ذكر الموت يورث استشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانية، والتوجّه في كل لحظة إلى الدار الآخرة الباقية؛ ثم إن الإنسان لا ينفك عن حالتي ضيق وسعة، ونعمة ومحنة، فإن كان في حال ضيق ومحنة، فذكر الموت يسهل عليه بعض ما هو فيه، فإنه لا يدوم، والموت أصعب منه، أو في حال نعمة وسعة فذكر الموت يمنعه من الاغترار بها، والسكون إليها، لقطعه عنها. ولقد أحسن من قال:
اذكر الموت هاذم اللذات … وتجهّز لمصرع سوف يأتي
وقال غيره:
واذكر الموت تجد راحة … في ادكار الموت تقصير الأمل
وأجمعت الأمة على أن الموت ليس له سن معلومة، ولا زمن معلوم، ولا مرض معلوم. وذلك ليكون المرء على أهبة من ذلك، مستعدّا لذلك.
وكان بعض الصالحين ينادي بليل على سور المدينة: الرحيل، الرحيل. فلما توفّي فقد صوته أمير المدينة فسأل عنه، فقيل: إنه قد مات، فقال:
ما زال يلهج بالرحيل وذكره … حتى أناخ ببابه الجمّال
فأصابه متيقظا متشمرا … ذا أهبة لم تلهه الآمال
وكان يزيد الرّقاشي يقول لنفسه: ويحك يا يزيد، من ذا يصلي عنك بعد الموت؟ من ذا يصوم عنك بعد الموت؟ من ذا يترضّى عنك ربك بعد الموت؟ ثم يقول: أيها الناس ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم؟ من الموت موعده، والقبر بيته، والتراب فراشه، والدود أنيسه، وهو مع هذا ينتظر الفزع
[ ١ / ١٩ ]
الأكبر، كيف يكون حاله؟ ثم يبكي حتى يسقط مغشيّا عليه (^١). وقال التيمي (^٢):
شيئان قطعا عني لذة الدنيا؛ ذكر الموت، وذكر الموقف بين يدي الله تعالى. وكان عمر بن عبد العزيز ﵁ يجمع العلماء فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة، فيبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة.
وقال أبو نعيم: كان الثوري إذا ذكر الموت لا ينتفع به أياما، فإن سئل عن شيء قال: لا أدري لا أدري. وقال: أسباط: ذكر عند النبيّ ﷺ رجل، فأثني عليه، فقال ﵇: «كيف ذكره للموت؟» فلم يذكر ذلك عنه. فقال: «ما هو كما تقولون» (^٣).
وقال الدقاق: من أكثر من ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة. ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضى بالكفاف، والتكاسل في العبادة. فتفكر يا مغرور في الموت وسكرته، وصعوبة كأسه ومرارته، فيا للموت من وعد ما أصدقه، ومن حاكم ما أعدله، كفى بالموت مقرحا للقلوب، ومبكيا للعيون، ومفرقا للجماعات، وهادما للّذات، وقاطعا للأمنيات، فهل تفكرت يا ابن آدم في يوم مصرعك، وانتقالك من موضعك، وإذا نقلت من سعة إلى ضيق، وخانك الصاحب والرفيق، وهجرك الأخ والصديق، وأخذت من فراشك وغطائك إلى غرر، وغطوك من بعد لين لحافك بتراب ومدر، فيا جامع المال، والمجتهد في البنيان؛ ليس لك والله من مال إلا الأكفان، بل هي والله للخراب والذهاب، وجسمك للتراب والمآب، فأين الذي جمعته من المال؟ فهل أنقذك من الأهوال؟ كلا بل تركته إلى من لا يحمدك، وقدمت بأوزارك على من لا يعذرك. ولقد أحسن من قال في تفسير قوله تعالى:
﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾؛ أن النصيب: الكفن فهو وعظ متصل بما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَاِبْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ﴾ [القصص: ٧٧] أي: اطلب فيما
_________________
(١) انظر: «صفوة الصفوة» لابن الجوزي (٣/ ٢٠٦).
(٢) هو: إبراهيم بن يزيد بن شريك التّيمي، أحد الزهّاد الصالحين، قتله الحجاج سنة اثنتين وتسعين. انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» (٥/ ٦٠) و«النجوم الزاهرة» (١/ ٢٢٥) و«صفة الصفوة» (٣/ ٦١ /ت: ٤١٣).
(٣) أخرجه البزار (٢٤٠/ ٣٦٢٢/٤) - كشف الأستار - من طريق: يوسف بن عطية، عن ثابت، عن أنس مرفوعا. وقال الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ٣٠٩): «رواه البزار، وفيه يوسف بن عطية، وهو متروك». وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٢٦٥) وعنه أحمد في «الزهد» ص ٣٩٥ عن مالك بن مغول بلاغا.
[ ١ / ٢٠ ]
أعطاك الله من الدنيا، الدار الآخرة وهي الجنة؛ فإن حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة، لا في الطين والماء والتجبر والبغي (^١)، فكأنهم قالوا: لا تنس أنك تترك جميع مالك إلا نصيبك الذي هو الكفن، ونحو هذا قول الشاعر:
نصيبك مما تجمع الدهر كلّه … رداءان تلوى فيهما وحنوط
وقال آخر:
هي القناعة لا تبغي بها بدلا … فيها النعيم وفيها راحة البدن
انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها … هل راح منها بغير القطن والكفن؟ (^٢)