وقوله ﵊: «الكيّس من دان نفسه» دان: حاسب. وقيل:
ذل. قال أبو عبيد: دان نفسه: أي أذلها واستعبدها (^٣). يقال: دنته أدينه، إذا ذللته فيذل نفسه في عبادة الله ﷾ عملا يعده لما بعد الموت، ولقاء الله تعالى، وكذلك يحاسب نفسه على ما فرّط من عمره، ويستعد لعاقبة أمره، بصالح عمله، والتنصل من سالف زلله، وذكر الله تعالى وطاعته في جميع أحواله، فهذا هو الزاد ليوم المعاد. والعاجز ضد الكيّس، والكيس: العاقل، والعاجز: المقصّر في الأمور، فهو مع تقصيره في طاعة ربه، واتباع شهوات نفسه، متمنّ على الله أن يغفر له. وهذا هو الاغترار، فإن الله تعالى أمره ونهاه. وقال الحسن البصري: إن قوما ألهتهم الأماني، حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة، ويقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي! وكذب، لو أحسن الظن لأحسن العمل، وتلا قوله تعالى:
﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣].
وقال سعيد بن جبير: «الغرة بالله أن يتمادى الرجل بالمعصية، ويتمنى على الله المغفرة».
وقال بقية بن الوليد: كتب أبو عمير الصوري إلى بعض إخوانه:
«أما بعد فإنك قد أصبحت تؤمل الدنيا بطول عمرك، وتتمنى على الله الأماني بسوء فعلك، وإنما تضرب حديدا باردا، والسلام». وسيأتي لهذا مزيد بيان في باب ما جاء أن القبر أول منازل الآخرة، إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) انظر «تفسير المصنف» (١٣/ ٣١٤).
(٢) قائل هذه الأبيات هو علي بن الحسين؛ الإمام زين العابدين ﵇.
(٣) انظر «لسان العرب» (٤/ ٤٦١) و«النهاية في غريب الحديث والأثر» لابن الأثير (٢/ ١٣٧) و«الغريبين» لأبي عبيد الهروي (٢/ ٦٦٦).
[ ١ / ٢١ ]