زيارة القبور للرجال متفق عليه عند العلماء، مختلف فيه للنساء (^٣)؛ أما الشوابّ فحرام عليهن الخروج، وأما القواعد فمباح لهن ذلك، وجائز ذلك لجميعهن إذا انفردن بالخروج عن الرجال، ولا يختلف في هذا، إن شاء الله تعالى. وعلى هذا المعنى يكون قوله ﵊: «زوروا القبور» عامّا.
وأما موضع أو وقت يخشى فيه الفتنة، من اجتماع الرجال والنساء، فلا يجوز ولا يحل، فبينا الرجل يخرج ليعتبر، فيقع بصره على امرأة فيفتتن، وبالعكس؛ فيرجع كل واحد من الرجال والنساء مأزورا ليس مأجورا وهذا واضح. والله أعلم.
وقد رأى بعض أهل العلم، أن لعن النبي ﷺ زوّارات القبور، كان قبل أن يرخص في زيارة القبور، فلما رخص؛ دخل في رخصته الرجال والنساء. وما ذكرناه لك أولا أصح - والله أعلم.
وروي عن علي بن أبي طالب ﵁؛ أنه خرج إلى المقبرة فلما أشرف عليها قال: «يا أهل القبور أخبرونا عنكم، أو نخبركم، أما خبر من قبلنا فالمال قد اقتسم، والنساء قد تزوّجن، والمساكن قد سكنها قوم غيركم، ثم قال: أما والله لو استطاعوا لقالوا: لم نر زادا خيرا من التقوى».
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٧٦).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٥٧١) بسند ضعيف، لكن صحّ عند مسلم (٩٧٧) وغيره من حديث بريدة قوله ﵌: «نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها» دون ذكر جملة «فإنها تزهّد في الدنيا».
(٣) والراجح أنه جائز لهن، وانظر «أحكام الجنائز» للألباني ص ٢٢٩ - ٢٣٧.
[ ١ / ٢٢ ]
ولقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول:
يا عجبا للناس لو فكّروا … أو حاسبوا أنفسهم أبصروا
وعبروا الدنيا إلى غيرها … فإنما الدنيا لهم معبر
لا فخر إلاّ فخر أهل التّقى … غدا إذا ضمهم المحشر
ليعلمنّ الناس أن التّقى … والبرّ كانا خير ما يدّخر
عجبت للإنسان في فخره … وهو غدا في قبره يقبر
ما بال من أوّله نطفة … وجيفة آخره يفجر
أصبح لا يملك تقديم ما … يرجو ولا تأخير ما يحذّر
وأصبح الأمر إلى غيره … في كلّ ما يقضى وما يقدر