جاء في هذا الباب حديث يعارض حديث هذا الباب؛ وهو ما خرّجه أبو بكر أحمد بن علي الخطيب في كتاب «السابق واللاحق» وأبو حفص عمر بن شاهين في «الناسخ والمنسوخ» له في الحديث بإسناديهما عن عائشة ﵂ قالت: حج بنا رسول الله ﷺ حجّة الوداع فمر بي على عقبة الحجون، وهو باك حزين مغتمّ، فبكيت لبكائه ﷺ، ثم إنه طفر - أي وثب - فنزل فقال:
«يا حميراء استمسكي» فاستندت إلى جنب البعير، فمكث عني طويلا مليا، ثم إنه عاد إليّ، وهو فرح متبسم، فقلت له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله؛ نزلت من عندي وأنت باك حزين مغتمّ، فبكيت لبكائك يا رسول الله، ثم إنك عدت إليّ وأنت فرح متبسم، فعن ماذا يا رسول الله؟ فقال: «مررت بقبر أمي آمنة، فسألت الله ربي أن يحييها فأحياها فآمنت بي - أو قال - فآمنت وردّها الله عزّ
[ ١ / ٢٥ ]
وجلّ» (^١) لفظ الخطيب. وقد ذكر السّهيلي في «الرّوض الأنف» (^٢) بإسناد فيه مجهولون: «أن الله تعالى أحيا له أباه وأمّه وآمنا به».
قال الشيخ المؤلف ﵀: ولا تعارض والحمد لله؛ لأن إحياءهما متأخر عن النهي بالاستغفار لهما، بدليل حديث عائشة ﵂، أن ذلك كان في حجة الوداع، وكذلك جعله ابن شاهين ناسخا لما ذكر من الأخبار (^٣). قلت: ويبيّنه حديث مسلم، عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: «في النار» فلما قفا دعاه قال: «إن أبي وأباك في النار» (^٤). وحديث سلمة بن يزيد الجعفي وفيه: فلما رأى ما دخل علينا قال: «وأمي مع أمّكما» (^٥). هذا إن صح إحياؤهما. وقد سمعت أن الله تعالى أحيا له عمه أبا طالب وآمن به (^٦)، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه ابن شاهين في «الناسخ والمنسوخ» رقم (٦٥٦) والخطيب البغدادي في «السابق واللاحق» ص ٣٧٧ - ٣٧٨ والجوزقاني في «الأباطيل والمناكير» (١/ ٢٢٢) وابن الجوزي في «الموضوعات» (١١/ ٥٤٦/٢). وهو حديث موضوع كما أشار إلى ذلك ابن الجوزي، وابن عراق في «تنزيه الشريعة» (١/ ٣٣٢) وغيرهما.
(٢) . (١/ ١٩٤).
(٣) قال العلامة علي بن سلطان محمد القاري في «أدلة معتقد أبي حنيفة في أبوي الرسول» ص ٩٠ - ٩١: «ولا يخفى وجه الغرابة - أي غرابة هذا القول الذي قاله القرطبي - فإن الحديث إذا كان ضعيفا باتفاق المحدّثين، وموضوعا عند المحقّقين، ومحققا للكتاب عند المفسّرين؛ كيف يصلح أن يكون معارضا لحديث مسلم في «الصحيح» ومناقضا لما سبق مما كاد أن يكون متواترا في التصريح؟! أو كيف يمكن أن يكون ناسخا، والنسخ لا يجوز في الأخبار عند علماء الأعلام، وإنما هو في مختصات الإنشاء والأحكام»؟!
(٤) أخرجه مسلم (٢٠٣).
(٥) أخرجه أحمد (٣/ ٤٧٨) والنسائي في «الكبرى» (٦ /رقم: ١١٦٤٩) والطبراني في «الكبير» (٧ / رقم: ٦٣١٩، ٦٣٢٠). من طريق: داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن سلمة بن يزيد الجعفي به، لكن ليس فيه هذا اللفظ. وإنما أخرجه بهذا اللفظ المذكور؛ أحمد في «المسند» (١/ ٣٩٨) والطبراني في «المعجم الكبير» (١٠ /رقم: ١٠٠١٧) والبزار (١٧٥/ ٢٤٧٨/٤) - كشف - من طريق: سعيد بن زيد، عن علي بن الحكم البناني، عن عثمان، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن ابن مسعود به مرفوعا، وفيه قصة ابني مليكة. وإسناده ضعيف لأجل عثمان بن عمير؛ وهو: «ضعيف». وعلى كل حال فالحديث صحيح بالشواهد، وإسناد الذي قبله صحيح، كما في «المشكاة» (٣٩/ ١ - ٤٠/ ١١٢).
(٦) قال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٥١٥) بعد ذكر قول القرطبي هذا؛ «وهذا كله متوقّف على صحّة الحديث، فإذا صحّ فلا مانع منه، والله أعلم …».
[ ١ / ٢٦ ]
وقد قيل: إن الحديث في إيمان أمه وأبيه موضوع، يردّه القرآن العظيم، والإجماع، قال الله العظيم: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ﴾ [النساء: ١٨]، وقال عزمن قائل: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]. فمن مات كافرا لم ينفعه الإيمان بعد الرجعة، بل لو آمن عند المعاينة لم ينتفع فكيف بعد الإعادة؟ وفي التفسير أنه ﵇ قال: «ليت شعري ما فعل أبواي»؟ فنزل: ﴿وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩].
قال المؤلف: ذكره الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية، وفيه نظر؛ وذلك أن فضائل النبي ﷺ وخصائصه لم تزل تتوالى وتتابع إلى حين مماته، فيكون هذا مما فضّله الله تعالى وأكرمه به.
وليس إحياؤهما وإيمانهما بممتنع عقلا ولا شرعا (^١)، فقد ورد في الكتاب إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله، وكان عيسى ﵇ يحيي الموتى، وكذلك نبينا ﵊ أحيا الله تعالى على يديه جماعة من الموتى (^٢).
وإذا ثبت هذا؛ فما يمنع من إيمانهما بعد إحيائهما، زيادة في كرامته وفضيلته، مع ما ورد من الخبر في ذلك، ويكون ذلك خصوصا فيمن مات كافرا.
وقوله: «فمن مات كافرا» إلى آخر كلامه؛ فمردود بما روي في الخبر: «أن الله تعالى ردّ الشمس على نبيه ﵇ بعد مغيبها» (^٣)، ذكره أبو جعفر الطحاوي وقال:
إنه حديث ثابت. فلو لم يكن رجوع الشمس نافعا وأنه لا يتجدّد الوقت لما ردّها عليه، فكذلك يكون إحياء أبوي النبي ﷺ نافعا لإيمانهما وتصديقهما بالنبي ﷺ (^٤).
_________________
(١) = قال العلاّمة علي القاري في «أدلّة معتقد أبي حنيفة» ص ١٠٢: «باطل موضوع بإجماع أهل الحديث، ومخالف لمذهب الحق».
(٢) قال علي القاري ص ٨٩: «لا شبهة في إمكانه أصلا وفرعا، وإنما الكلام في ثبوته أوّلا، ونفيه ثانيا». قلت: ولم يثبت ذلك، والله أعلم.
(٣) لم أقف على خبر صحيح في ذلك.
(٤) حديث رد الشمس كان لنبيّ من الأنبياء؛ وهو يوشع بن نون - كما في بعض الروايات - والحديث عند البخاري (٣١٢٤) ومسلم (١٧٤٧). وانظر «من قصص الماضين في حديث سيد المرسلين» للشيخ مشهور بن حسن - حفظه الله - ص ٥٥ - ٦٣.
(٥) انظر في نقد هذا القول؛ «أدلّة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول» للقاري، ففيه تفصيل ماتع. و«رسالة في حق أبوي الرسول ﷺ» للعلامة إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبي، تحقيق: علي رضا بن عبد الله بن علي رضا، نشرت في «مجلة الحكمة» العدد (٢١) سنة (١٤٢١) هـ، ص ٤٥٣.
[ ١ / ٢٧ ]
وقد قبل الله إيمان قوم يونس وتوبتهم مع تلبّسهم بالعذاب، فيما ذكر في بعض الأقوال، وهو ظاهر القرآن. وأما الجواب عن الآية؛ فيكون ذلك قبل إيمانهما وكونهما في العذاب، والله بغيبه أعلم وأحكم.
***