ذكره أبو حامد في كتاب الإحياء وأبو محمد عبد الحق في كتاب «العاقبة» له قال محمد بن أحمد المروزي: سمعت أحمد بن حنبل ﵁ يقول:
إذا دخلتم المقابر فاقرءوا بفاتحة الكتاب والمعوذتين وقل هو الله أحد واجعلوا ذلك لأهل المقابر فإنه يصل إليهم (^٢).
وقال علي بن موسى الحداد: كنت مع أحمد بن حنبل في جنازة ومحمد بن
_________________
(١) لكن الخبر لم يصح.
(٢) هذا خلاف ما صحّ عن أحمد في هذه المسألة؛ فقد روى أبو داود في «مسائل الإمام أحمد» ص ٢٢٤ قال: «سمعت أحمد سئل عن القراءة عند القبر؟ فقال: لا». وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في «مسائل الإمام أحمد» بروايته (٢/ ٤٩٤ - ٤٩٥): «سألت أبي عن الرجل يحمل معه المصحف إلى القبر يقرأ عليه؟ قال: هذه بدعة، قلت لأبي: وإن كان يحفظ القرآن؛ يقرأ؟ قال: لا». وقال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (١/ ٥٢٧): «وكان من هديه ﷺ تعزية أهل الميت، ولم يكن من هديه أن يجتمع للعزاء، ويقرأ القرآن، لا عند قبره ولا غيره، وكل هذا بدعة حادثة مكروهة».
[ ١ / ٩٤ ]
قدامة الجوهري يقرأ، فلما دفنا الميت؛ جاء رجل ضرير يقرأ عند القبر، فقال له أحمد: يا هذا! إن القراءة على القبر بدعة، فلما خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد: يا أبا عبد الله! ما تقول في مبشر بن إسماعيل؟ قال: ثقة. قال: هل كتبت عنه شيئا؟ قال: نعم. قال: أخبرني مبشّر بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن العلاء بن الحجاج، عن أبيه، أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها، وقال: سمعت ابن عمر يوصي بذلك. قال أحمد: فارجع إلى الرجل فقل له يقرأ (^١).
قلت: وقد استدلّ بعض علمائنا على قراءة القرآن على القبر بحديث العسيب الرطب، الذي شقّه النبيّ ﷺ باثنين ثم غرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا ثم قال: «لعله أن يخفّف عنهما ما لم ييبسا» خرّجه البخاري ومسلم (^٢).
وفي «مسند أبي داود الطيالسي»: «فوضع على أحدهما نصفا وعلى الآخر نصفا»، وقال: «إنه يهون عليهما ما دام فيهما من بلولتهما شيء». قالوا: ويستفاد من هذا غرس الأشجار، وقراءة القرآن على القبور، وإذا خفّف عنهم بالأشجار، فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرآن؟ (^٣).
وقد خرّج السّلفي من حديث علي بن أبي طالب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «من مرّ على المقابر وقرأ قل هو الله أحد إحدى عشرة مرة، ثم وهب أجره للأموات، أعطي من الأجر بعدد الأموات» (^٤).
وروي من حديث أنس خادم رسول الله ﷺ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قرأ المؤمن آية الكرسي، وجعل ثوابها لأهل القبور، أدخل الله تعالى في كلّ قبر مؤمن من المشرق إلى المغرب أربعين نورا، ووسّع الله ﷿ عليهم مضاجعهم، وأعطى الله للقارئ ثواب ستين نبيّا، ورفع له بكلّ ميت درجة، وكتب له بكلّ ميت عشر حسنات» (^٥).
وقال الحسن: من دخل المقابر فقال: «اللهم رب الأجساد البالية، والعظام
_________________
(١) القصة أوردها الخلال في «جزء القراءة عند القبور» بإسناد ضعيف، وأوردها ابن القيم في «الروح» ص ٦٥ عن الخلال. وانظر «أحكام الجنائز» ص ٢٤٣ - ٢٤٤. وانظر أقوال أهل العلم في هذه المسألة في: «شرح الصدور ببيان بدع الجنائز والقبور» لعبد الله الحمادي ص ٥٠ وما بعدها، و«حكم القراءة للأموات» لمحمد أحمد عبد السلام.
(٢) أخرجه البخاري (٢١٦) وانظر أطرافه هناك، ومسلم (٢٩٢).
(٣) انظر توجيه الحديث في «فتح الباري» (١/ ٣٨٢ - ٣٨٤) و«شرح الصدور ببيان بدع الجنائز والقبور» ص ٤٢ - ٤٩.
(٤) حديث موضوع؛ انظر «أحكام الجنائز» ص ٢٤٥ و«الضعيفة» رقم (١٢٩٠).
(٥) لم أقف عليه.
[ ١ / ٩٥ ]
الناخرة، خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، فأدخل عليها روحا منك، وسلاما منك»؛ إلا كتب له بعددهم حسنات.
وروي عن النبي ﷺ من حديث ابن عباس أنه، قال: «خير الناس وخير من يمشي على جديد الأرض المعلّمون، كلما أخلق الدين جدوده أعطوهم، ولا تستأجروهم فتحرجوهم، فإن المعلم إذا قال للصبي قل بسم الله الرحمن الرحيم كتب الله براءة للصبي، وبراءة للمعلم، وبراءة لأبويه من النار» (^١) ذكره الثعلبي.
قال الشيخ المؤلف ﵀: أصل هذا الباب الصدقة التي لا اختلاف فيها، فكما يصل للميت ثوابها؛ فكذلك تصل قراءة القرآن والدعاء والاستغفار، إذ كل ذلك صدقة فإن الصدقة لا تختص بالمال.
قال ﷺ؛ وقد سئل عن قصر الصلاة في حالة الأمن فقال: «صدقة» (^٢).
وقال ﵊: «يصبح على كلّ سلامى من أحدكم صدقة، فإن كلّ تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضّحى» (^٣).
ولهذا استحب العلماء زيارة القبور، لأن القراءة تحفة الميت من زائره.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ما الميت في قبره إلا كالغريق المغوث، ينتظر دعوة تلحقه من أبيه، أو أخيه، أو صديق له، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها، وإن هدايا الأحياء للأموات الدعاء والاستغفار» (^٤).
وقد حكي أن امرأة جاءت إلى الحسن البصري ﵀ فقالت: إن ابنتي ماتت وقد أحببت أن أراها في المنام، فعلّمني صلاة أصلّيها لعلي أراها، فعلّمها صلاة، فرأت ابنتها وعليها لباس القطران، والغل في عنقها، والقيد في رجلها، فارتاعت لذلك، فأعلمت الحسن، فاغتمّ عليها، فلم تمض مدّة حتى رآها الحسن في المنام، وهي في الجنة، على سرير وعلى رأسها تاج. فقالت له يا شيخ: أما تعرفني؟ قال: لا، قالت له: أنا تلك المرأة التي علّمت أمي الصلاة فرأتني في
_________________
(١) لم أقف عليه فيما بين يدي من المصادر.
(٢) أخرجه مسلم (٦٨٦).
(٣) أخرجه مسلم (٧٢٠).
(٤) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٢٠٣/ ٧٩٠٥/٦) بسند ضعيف، وقال العلامة الألباني في «الضعيفة» (٢١١/ ٧٩٩/٢): «منكر جدا».
[ ١ / ٩٦ ]
المنام، قال لها: فما سبب أمرك؟ قالت: مرّ بمقبرتنا رجل فصلى على النبيّ ﷺ، وكان في المقبرة خمسمائة وستون إنسانا في العذاب؛ فنودي: ارفعوا العذاب عنهم ببركة صلاة هذا الرجل على النبي ﷺ!!
وقال بعضهم: مات أخ لي فرأيته في المنام فقلت: ما كان حالك حين وضعت في قبرك؟ قال: أتاني آت بشهاب من نار، فلولا أنّ داعيا دعا لي لرأيت أنه سيضربني به. والحكايات عن الصالحين بهذا المعنى كثيرة، ذكرها أبو محمد عبد الحق في كتاب «العاقبة» له.
وقد ذكر في هذا المعنى أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة ﵁ في كتاب «عيون الأخبار» له حكاية فيها طول، رأينا ذكرها لاشتمالها على وعظ وتذكير وتخويف وتحذير وتضرع وابتهال، ودعاء بالموت والانتقال.
روي عن الحارث بن نبهان أنه قال: كنت أخرج إلى الجبّانات فأترحّم على أهل القبور، وأتفكر وأعتبر، وأنظر إليهم سكوتا لا يتكلمون، وجيرانا لا يتزاورون، وقد صار لهم من بطن الأرض وطاء، ومن ظهرها غطاء، وأنادي:
يا أهل القبور! محيّت من الدنيا آثاركم، وما محيّت عنكم أوزاركم، وسكنتم دار البلاء فتورمت أقدامكم، قال: ثم يبكي بكاء شديدا، ثم يميل إلى قبة فيها قبر فينام في ظلها.
قال: فبينما أنا نائم إلى جانب القبر؛ إذ أنا بحس مقمعة يضرب بها صاحب القبر، وأنا أنظر إليه والسلسلة في عنقه، وقد ازرقّت عيناه، واسودّ وجهه، وهو يقول: يا ويلي ماذا حل بي، لو رآني أهل الدنيا ما ركبوا معاصي الله أبدا، طولبت والله باللذات؛ فأوبقتني، وبالخطايا فأغرقتني، فهل من شافع لي أو مخبر أهلي بأمري؟!
قال الحارث: فاستيقظت مرعوبا، وكاد أن يخرج قلبي من هول ما رأيت، فمضيت إلى داري، وبتّ ليلتي وأنا متفكّر فيما رأيت، فلما أصبحت قلت: دعني أعود إلى الموضع الذي كنت فيه، لعلي أجد به أحدا من زوّار القبور فأعلمه بالذي رأيت، قال: فمضيت إلى المكان الذي كنت فيه بالأمس، فلم أر أحدا، فأخذني النوم فنمت، فإذا أنا بصاحب القبر وهو يسحب على وجهه ويقول: يا ويلتاه ماذا حل بي، ساء في الدنيا عملي، وطال فيها أجلي، حتى غضب عليّ ربّ الأرباب، فالويل لي إن لم يرحمني ربي.
قال الحارث: فاستيقظت وقد تولّه عقلي بما رأيت وسمعت، فمشيت إلى
[ ١ / ٩٧ ]
داري وبتّ ليلتي، فلما أصبحت أتيت القبر، لعلي أجد أحدا من زوّار القبور فأعلمه بما رأيت ثم نمت، فإذا أنا بصاحب القبر قد قرن بين قدميه، وهو يقول:
ما أغفل أهل الدنيا عني، ضوعف عليّ العذاب، وتقطّعت عني الحيل والأسباب، وغضب عليّ ربّ الأرباب، وغلق في وجهي كل باب، فالويل لي إن لم يرحمني ربي العزيز الوهاب.
قال الحارث: فاستيقظت من منامي مرعوبا، وهممت بالانصراف فإذا بثلاث جوار قد أقبلن، فتباعدت لهن عن القبر وتواريت لكي أسمع كلامهن، فتقدمت الصغرى ووقفت على القبر وقالت: السلام عليكم يا أبتاه! كيف هدوؤك في مضجعك؟ وكيف قرارك في موضعك؟ ذهبت عنا بودّك، وانقطع عنا سؤالك، فما أشد حسرتنا عليك، ثم بكت بكاء شديدا. ثم تقدّمت بنتان فسلّمتا على القبر، ثم قالتا: هذا قبر أبينا الشفيق علينا، والرحيم بنا، آنسك الله بملائكة رحمته، وصرف عنك عذابه ونقمته، يا أبتاه! جرت بعدك أمور لو عاينتها لأوهمتك، ولو اطلعت عليها لأحزنتك، كشف الرجال وجوهنا وقد كنت أنت سترها.
قال الحارث: فبكيت لما سمعت كلامهن. ثم قمت مسرعا إليهن، فسلمت عليهن، وقلت لهن: أيتها الجواري! إن الأعمال ربما قبلت، وربما ردّت على صاحبها، فما كان عمل أبيكنّ المخلّد في هذا القبر، الذي عاينت من أمره ما أحزنني، واطلعت من حاله على ما آلمني؟
قال الحارث: فلما سمعن كلامي كشفن وجوههن وقلن: أيها العبد الصالح؛ وما الذي رأيت؟ قلت لهن: لي ثلاثة أيام وأنا أختلف إلى هذا القبر، أسمع صوت المقمعة والسلسلة فيه، قال: فلما سمعن ذلك مني قلن لي: بشارة ما أضرها، ومصيبة ما أحزنها، نحن نقضي الأوطار، ونعمر الديار، وأبونا يحرق بالنار، فو الله لا قربنا قرار، ولا ضمتنا للذة العيش دار، أو نتضرع للجبار، فلعله أن يعتق أبانا وينقذه من النار، ثم مضين يتعثرن في أذيالهن.
قال الحارث: فمضيت إل داري فبتّ ليلتي، فلما أصبحت أتيت القبر فجلست عنده، فغلبني النوم فنمت، فإذا أنا بصاحب القبر له حسن وجمال، وفي رجليه نعل من ذهب، ومعه حور وغلمان.
قال الحارث: فسلّمت عليه، وقلت له: رحمك الله من أنت؟ قال: أنا الرجل الذي عاينت من أمري ما أحزنك، واطّلعت منه على ما أفجعك، فجزاك الله خيرا فما أيمن طلعتك عليّ، فقلت له: وكيف حالك؟ فقال لي: لما اطلعت عليّ وأخبرت بناتي بالأمس بحالي، أعرين أبدانهن وأسبلن شعورهن وتضرعن لمولاهن، ومرّغن
[ ١ / ٩٨ ]
خدودهن في التراب، وأهملن دموعهن بالانسكاب، واستوهبوني من العزيز الوهاب، فغفر لي الذنوب والأوزار، واستنقذني من النار، وأسكنني دار القرار، بجواز محمد المختار، فإذا رأيت بناتي فأعلمهن بأمري، وما كان من قصتي، ليزول عنهن روعهن، ويفارقهن حزنهن، وتعلمهن أني قد صرت إلى جنات وحور، ومسك وكافور، وعندي غلمان وسرور، وقد عفا عني العزيز الغفور.
قال الحارث: فاستيقظت فرحا مسرورا لما رأيت وسمعت، ثم مضيت إلى داري وبت ليلتي، فلما أصبحت أتيت القبر فوجدتهن حافيات الأقدام، فسلمت عليهن وقلت لهن: أبشرن فقد رأيت أباكن في خير عظيم، وملك مقيم، وقد أعلمني أن الله تعالى أجاب دعاءكن، ولم يخيب مسعاكن، وقد وهب لكن أباكن فاشكرنه على ما أولاكن.
قال فقالت الصغرى: اللهم يا مؤنس القلوب، ويا ساتر العيوب، ويا كاشف الكروب، ويا غافر الذنوب، ويا عالم الغيوب، ويا مبلغ الأمل المطلوب؛ قد علمت ما كان من مسألتي ورغبتي واعتذاري في خلوتي، واستقالتي من ذلتي، وتنصلي من خطيئتي، وأنت اللهم تعلم همتي، والمطلع على نيتي، والعالم بطويتي، ومالك رقبتي والآخذ بناصيتي، وغايتي في طلبتي، ورجائي عند شدتي، ومؤنسي في وحدتي، وراحم عبرتي، ومقيل عثرتي، ومجيب دعوتي، فإن كنت قصرت عما أمرتني، وركبت إلى ما عنه نهيتني، فبحلمك حملتني، وبسترك سترتني، فبأي لسان أذكرك، وعلى أي نعمك أشكرك، ضاق بكثرتها ذرعي فيا أكرم الأكرمين، ومنتهى غاية الطالبين، ومالك يوم الدين، الذي يعلم ما أخفى في الضمير، ويدبر أمر الصغير والكبير، فإن كنت قضيت الحاجة بفضلك، وشفعتني في عبدك؛ فاقبضني إليك وأنت على كل شيء قدير، ثم صرخت صرخة فارقت الدنيا، رحمة الله عليها.
قال: ثم قامت الثانية فنادت بأعلى صوتها: يا رب فرّج كربي، وخلّص من الشك قلبي، يا من أقامني من صرعتي، وأقالني من عثرتي، ودلّني من حيرتي، وأعانني في شدتي. إن كنت قبلت دعوتي، وقضيت حاجتي، ونجحت طلبتي، فألحقني بأختي، ثم صاحت صيحة فارقت الدنيا، رحمة الله عليها.
قال: ثم قامت الثالثة: فنادت بأعلى صوتها يا أيها الجبار الأعظم، والملك الأكرم، العالم بمن سكت وتكلم، لك الفضل العظيم والملك القديم والوجه الكريم، العزيز من أعززته، والذليل من أذللته، والشريف من شرفته، والسعيد من أسعدته، والشقي من أشقيته، والقريب من أدنيته، والبعيد من أبعدته، والمحروم
[ ١ / ٩٩ ]
من حرمته، والرابح من أوهبته، والخاسر من عذبته، أسألك باسمك العظيم ووجهك الكريم، وعلمك المكنون الذي بعد عن إدراك الأفهام، وغمض عن مناولة الأوهام، باسمك الذي جعلته على الليل فدجى، وعلى النهار فأضاء وعلى الجبال فدكدكت، وعلى الرياح فتناثرت، وعلى السموات فارتفعت، وعلى الأصوات فخشعت، وعلى الملائكة فسجدت، اللهم إني أسألك إن كنت قضيت حاجتي وأنجحت طلبتي، فألحقني بصواحباتي، ثم صاحت صيحة فارقت الدنيا، رحمة الله علينا وعليهم وعلى جميع المسلمين أجمعين، آخر الحكاية والله أعلم والحمد لله رب العالمين.
وروي من حديث أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «من دخل المقابر فقرأ بسورة يس خفف الله عنهم وكان له بعدد من فيها حسنات» (^١).
ويروى عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أنه أمر أن يقرأ عند قبره سورة البقرة (^٢).
وقد روي إباحة قراءة القرآن عند القبر، عن العلاء بن عبد الرحمن. وذكر النسائي وغيره، من حديث معقل بن يسار المدني، عن النبي ﷺ أنه قال: «اقرءوا يس عند موتاكم» (^٣). وهذا يحتمل أن تكون هذه القراءة عند الميت في حال موته، ويحتمل أن تكون عند قبره (^٤).
قال أبو محمد عبد الحق: حدثني أبو الوليد إسماعيل بن أحمد؛ عرف بابن أفرند وكان هو وأبوه صالحين معروفين، قال: مات أبي رحمة الله، فحدثني بعض إخوانه ممن يوثق بحديثه، قال لي: زرت قبر أبيك فقرأت عليه حزبا من القرآن، ثم قلت يا فلان! هذا قد أهديته لك فماذا لي؟ قال: فهبّت عليّ نفحة مسك غشيتني وأقامت معي ساعة، ثم انصرفت وهي معي، فما فارقتني إلا وقد مشيت نصف الطريق.
قال أبو محمد: ورأيت لبعض من يوثق به قال: ماتت لي امرأة؛ فقرأت في بعض الليالي آيات من القرآن، فأهديتها لها، ودعوت الله ﷿ واستغفرت لها
_________________
(١) حديث موضوع؛ انظر «السلسلة الضعيفة» رقم (١٢٤٦).
(٢) أخرجه البيهقي (٤/ ٥٦) والمزي في «تهذيب الكمال» (٢٢/ ٥٣٨) بإسناد ضعيف؛ كما تجده مفصّلا في «أحكام الجنائز» ص ٢٤٤.
(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٢٦ - ٢٧) وأبو داود (٣١٢١) والنسائي في «الكبرى» كتاب «عمل اليوم والليلة» رقم (١٠٩١٣) وابن ماجه (١٤٤٨) وغيرهم. وهو حديث ضعيف؛ انظر «التخليص الحبير» للحافظ ابن حجر (٢/ ٦٤٩ - ٦٥٠) و«إرواء الغليل» (١٥٠/ ٦٨٨/٣).
(٤) والاحتمالان ساقطان لضعف الحديث.
[ ١ / ١٠٠ ]
وسألت، فلما كان في اليوم الثاني حدثتني امرأة تعرفها وتعرفني قالت لي: رأيت البارحة فلانة في النوم - تعني الميتة المذكورة - في مجلس حسن، في دار حسنة، وقد أخرجت لنا أطباقا من تحت سرير كان في البيت، والأطباق مملوءة قوارير أنوار، فقالت لي: هذا أهداه لي صاحب بيتي قال: وما كنت أعلمت بذلك أحدا.
قال الشيخ المؤلف ﵀: وفي هذا المعنى حديث مرفوع من حديث أنس يأتي في باب «ما يتبع الميت إلى قبره». وقد قيل: إن ثواب القراءة للقارئ، وللميت ثواب الاستماع، ولذلك تلحقه الرحمة. قال تعالى: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
قلت: ولا يبعد في كرم الله تعالى أن يلحقه ثواب القراءة والاستماع جميعا، ويلحقه ثواب ما يهدى إليه من قراءة القرآن، وإن لم يسمعه كالصدقة والدعاء والاستغفار لما ذكره، ولأن القرآن دعاء واستغفار وتضرع وابتهال، وما يتقرب المتقربون إلى الله تعالى بمثل القرآن.
قال ﷺ: يقول الرب ﵎: «من شغله قراءة القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين». رواه الترمذي (^١)، وقال فيه: حديث حسن غريب. وقال ﵇: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (^٢). والقراءة في معنى الدعاء، وذلك صدقة من الولد، ومن الصاحب والصديق والمؤمنين، حسب ما ذكرناه، وبالله التوفيق.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] وهذا يدل على أنه لا ينفع أحدا عمل أحد. قيل له: هذه آية اختلف في تأويلها أهل التأويل.
فروي عن ابن عباس: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١]، فيجعل الولد الطفل يوم القيامة في ميزان أبيه ويشفع الله تعالى الآباء في الأبناء والأبناء في الآباء (^٣). يدل على ذلك قوله تعالى:
﴿آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١]. وقال الربيع بن أنس:
_________________
(١) في «سننه» (٢٩٢٦)، وهو حديث ضعيف، انظر «ضعيف سنن الترمذي» رقم (٥٦٢) و«السلسلة الضعيفة» (١٣٣٥).
(٢) أخرجه مسلم (١٦٣١).
(٣) قال ابن الجوزي في «نواسخ القرآن» ص ٢٣٣: «قلت: قول من قال: إن هذا نسخ؛ غلط، لأن الآيتين خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ، ثم إن إلحاق الأبناء بالآباء إدخالهم في حكم الآباء بسبب إيمان الآباء، فهم كالبعض تبع الجملة، ذلك ليس لهم إنما فعله الله سبحانه بفضله، وهذه الآية تثبت ما للإنسان، إلا ما يتفضل به عليه».
[ ١ / ١٠١ ]
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] يعني: الكافر. وأما المؤمن فله ما سعى، وما سعى له غيره (^١).
قلت: وكثير من الأحاديث تدل على هذا القول، ويشهد له، وأن المؤمن يصل إليه ثواب العمل الصالح من غيره.
وفي الصحيح عن النبي ﷺ: «من مات وعليه صيام صام عنه وليّه» (^٢).
وقال ﵇ للرجل الذي حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه: «حجّ عن نفسك ثم حج عن شبرمة» (^٣).
وروي أن عائشة ﵂ اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن بعد موته وأعتقت عنه.
وقال سعد للنبي ﷺ: إنّ أمي توفيت، أفأتصدّق عنها؟ قال: «نعم» قال:
فأي الصدقة أفضل؟ قال: «سقي الماء» (^٤).
وفي «الموطأ» عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمّته، أنها حدّثته، عن جدّته، أنها جعلت على نفسها مشيا إلى مسجد قباء، فماتت ولم تقضه، فأفتى عبد الله بن عباس ابنتها أن تمشي عنها (^٥).
قلت: ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ خاصّا في السيئة، بدليل ما في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: قال الله ﷿: «إذا همّ عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها له عشرا إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة» (^٦). والقرآن دال على هذا؛ قال الله تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾
_________________
(١) قال المصنف في «تفسيره» (١٧/ ١١٤): «وقال أكثر أهل التأويل: هي محكمة ولا ينفع أحدا عمل أحد». وقال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٣٢٨): «وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما».
(٢) أخرجه البخاري (١٩٥٢) ومسلم (١١٤٧).
(٣) أخرجه أبو داود (١٨١١) وابن ماجه (٢٩٠٣) وهو حديث «صحيح» كما في «صحيح سنن أبي داود» (١٥٩٦).
(٤) أخرجه أحمد (٦/ ٧) وأبو داود (١٦٧٩) والنسائي (٦/ ٢٥٤ - ٢٥٥) وابن ماجه (٣٦٨٤) وغيرهم، وهو حديث حسن، انظر «صحيح سنن أبي داود» (١٤٧٣).
(٥) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٤/ ٢/٢)، ٢٢ - كتاب النذور والأيمان.
(٦) أخرجه مسلم (١٢٨).
[ ١ / ١٠٢ ]
[الأنعام: ١٦٠] وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وقال في الآية الأخرى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥] وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]. وهذا كله تفضّل من الله تعالى، وطريق العدل: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ فإذا تصدّق عنه غيره فليس يجب له شيء، إلا أن الله ﷿ يتفضل عليه بما لم يجب له، كما أن زيادة الأضعاف فضل منه كتب لهم بالحسنة الواحدة عشرا إلى سبعمائة ضعف، إلى ألف ألف حسنة.
كما قيل لأبي هريرة: أسمعت رسول الله ﷺ، يقول: «إن الله ليجزي عن الحسنة الواحدة ألف ألف حسنة؟» فقال: سمعته يقول: «إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة» (^١). فهذا تفضّل، وقد تفضّل الله على الأطفال بإدخالهم الجنة بغير عمل، فما ظنك بعمل المؤمن عن نفسه أو عن غيره؟!
وقد ذكر الخرائطي في كتاب القبور، قال: «سنّة في الأنصار إذا حملوا الميت أن يقرءوا معه سورة البقرة».
ولقد أحسن من قال:
زر والديك وقف على قبريهما … فكأنني بك قد حملت إليهما
في أبيات يقول في آخرها:
وقرأت من آي الكتاب بقدر ما … تستطيع وقد بعثت ذاك إليهما
وإنما طولنا النّفس في هذا الباب، لأن الشيخ الفقيه القاضي الإمام مفتي الأنام عبد العزيز بن عبد السلام ﵀، كان يفتي بأنه لا يصل للميت ثواب ما يقرأ، ويحتج بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩]؛ فلما توفي ﵀، رآه بعض أصحابه ممن كان يجالسه وسأله عن ذلك، فقال له: إنك كنت تقول: إنه لا يصل إلى الميت ثواب ما يقرأ ويهدى إليه، فكيف الأمر؟ فقال له: إني كنت أقول ذلك في دار الدنيا، والآن فقد رجعت عنه لما رأيت من كرم الله تعالى في ذلك، وأنه يصل إليه ذلك (^٢).
***
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٢٩٦) بإسناد ضعيف.
(٢) المنامات والرؤى لا تثبت أحكاما شرعية، فضلا على أن تغيّرها.
[ ١ / ١٠٣ ]