وصف الله ﷾ شدة الموت في أربع آيات:
الأولى: قوله الحق: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩]. والثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام: ٩٣]. الثالثة: قوله تعالى:
﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣]. الرابعة: ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦].
روى البخاري عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كانت بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: «لا إله إلا الله إن للموت سكرات»، ثم نصب يديه، فجعل يقول: «في الرفيق الأعلى» حتى قبض ومالت يده (^١).
وخرّج الترمذي عنها قالت: «ما أغبط أحدا بهون موت، بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله ﷺ» (^٢).
وفي البخاري عنها قالت: «مات رسول الله ﷺ وإنه لبين حاقنتي وذاقنتي، فلا أكره شدّة الموت لأحد أبدا بعد النبيّ ﷺ» (^٣). الحاقنة: العظمان بين الترقوة والحلق، والذاقنة: نقرة الذقن. وقال الخطابي: الذاقنة: ما تناله الذقن من الصدر.
وذكر أبو بكر بن أبي شيبة في «مسنده» عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال:
«تحدثوا عن بني إسرائيل، فإنه كانت فيهم أعاجيب» ثم أنشأ يحدثنا قال: «خرجت طائفة منهم فأتوا على مقبرة من مقابرهم فقالوا لو صلّينا ركعتين، ودعونا الله يخرج لنا بعض الأموات، يخبرنا عن الموت، قال: ففعلوا. فبينما هم كذلك إذ طلع رجل رأسه بيضاء، أسود اللون خلا شيء، بين عينيه أثر السجود، فقال: يا هؤلاء ما أردتم إليّ؟ لقد متّ منذ مائة سنة فما سكنت عني حرارة الموت حتى الآن، فادعوا الله أن يعيدني كما كنت» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٩٠، ١٣٨٩، ٣١٠٠، ٣٧٧٤، ٤٤٣٨، ٤٤٤٦، ٤٤٤٩، ٤٤٥٠، ٤٤٥١).
(٢) أخرجه الترمذي (٩٧٩) بسند ضعيف كما في «المشكاة» (١٥٦٣).
(٣) أخرجه البخاري بهذا اللفظ برقم (٤٤٤٦).
(٤) أخرجه تمام في «الفوائد» (١/ ٩٩ - ١٠٠/ ٢٢٩) بإسناد فيه مجهول.
[ ١ / ٣١ ]
وروى أبو هدبة إبراهيم بن هدبة قال: حدثنا أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «إن العبد ليعالج كرب الموت وسكرات الموت، وإن مفاصله ليسلّم بعضها على بعض تقول: عليك السلام؛ تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة» (^١).
وذكر المحاسبي في «الرعاية»: أن الله تعالى قال لإبراهيم ﵇: «يا خليلي كيف وجدت الموت»؟ قال: كسفود محمّى جعل في صوف رطب، ثم جذب. قال: «أما إنّا قد هوّنا عليك يا إبراهيم» (^٢).
وروي أن موسى ﵇ لما صار روحه إلى الله، قال له ربه: «يا موسى كيف وجدت الموت»؟ قال: «وجدت نفسي كالعصفور الحيّ حين يقلى على المقلى لا يموت فيستريح ولا ينجو فيطير». وروي عنه أنه قال: «وجدت نفسي كشاة تسلخ بيد القصّاب وهي حية». وقال عيسى ابن مريم ﵇: «يا معشر الحواريين ادعوا الله أن يهوّن عليكم هذه السكرة»، يعني سكرات الموت.
وروي: أن الموت أشد من ضرب بالسيوف ونشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض.
وذكر أبو نعيم الحافظ في كتاب «الحلية» من حديث مكحول، عن واثلة بن الأسقع، عن النبيّ ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده لمعاينة ملك الموت أشدّ من ألف ضربة بالسيف» (^٣) وسيأتي بكماله إن شاء الله تعالى.
وفي الخبر من حديث حميد الطويل عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ:
«الملائكة تكتنف العبد، وتحبسه، ولولا ذلك لكان يعدو في الصحاري والبراري من شدّة سكرات الموت». وجاءت الرواية بأن ملك الموت ﵇ إذا تولى الله قبض نفسه بعد موت الخلائق يقول: «وعزتك لو علمت من سكرة الموت ما أعلم ما قبضت نفس مؤمن» ذكره القاضي أبو بكر بن العربي.
_________________
(١) = وضعّف إسناده السخاوي كما في «الأجوبة المرضية فيما سئل عنه السخاوي من الأحاديث النبوية» (٣/ ١١٣).
(٢) أورده ابن عراق في «تنزيه الشريعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة» (٢/ ٣٧٥) وعزاه للديلمي.
(٣) هذا الخبر موضوع؛ أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/ ٥١٩ - ٥٢٠/ ١٧٤٦) وابن عدي في «الكامل (٢/ ٥٧٥) وابن حبان في «المجروحين» (١/ ٢١٤)، وحكموا بوضعه، وأورده ابن عراق في «تنزيه الشريعة» (٢/ ٣٦٢).
(٤) أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٥١٨/ ١٧٤٥/٣) وأبو نعيم في «الحلية» (٥/ ١٨٦) والخطيب البغدادي في «تاريخه» (٢٥٢/ ١٣٤٣/٣). وذكره ابن عراق في «تنزيه الشريعة» (٢/ ٣٦٥) والألباني في «ضعيف الجامع» (٤٧٧٧) وقال: «ضعيف جدا».
[ ١ / ٣٢ ]
وعن شهر بن حوشب قال: سئل رسول الله ﷺ عن الموت وشدته؟ فقال:
«إن أهون الموت بمنزلة حسكة كانت في صوف، فهل تخرج الحسكة من الصوف إلاّ ومعها صوف» (^١) قال شهر: ولما حضرت عمرو بن العاص الوفاة، قال له ابنه: يا أبتاه! إنك لتقول لنا: ليتني كنت ألقى رجلا عاقلا لبيبا عند نزول الموت حتى يصف لي ما يجد، وأنت ذلك الرجل فصف لي الموت، فقال: يا بني والله كأن جنبي في تخت، وكأني أتنفّس من سمّ إبرة، وكأن غصن شوك يجذب من قدمي إلى هامتي. ثم أنشأ يقول:
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي … في تلال الجبال أرعى الوعولا
وعن أبي ميسرة رفعه قال: «لو أن ألم شعرة من الميت وضع على أهل السماء والأرض لماتوا جميعا» (^٢) وأنشدوا:
أذكر الموت ولا أرهبه … إنّ قلبي لغليظ كالحجر
أطلب الدنيا كأني خالد … وورائي الموت يقفو بالأثر
وكفى بالموت فاعلم واعظا … لمن الموت عليه قد قدر
والمنايا حوله ترصده … ليس ينجي المرء منهنّ المفر
وقال آخر:
بينا الفتى مرح الخطا فرح بما … يسعى له إذ قيل قد مرض الفتى
إذا قيل: مات بليلة ما نامها … إذ قيل: أصبح مثخنا ما يرتجى
إذ قيل: أصبح شاخصا وموجها … ومعلّلا إذ قيل: أصبح قد قضى