وقع لي شيءٌ من الحيرة في بداية جمعي لنصوصٍ من كتب المؤلف يمكن من خلالها التعرف على معتقده، خاصة في باب الأسماء والصفات.
فكنت أقف على نصوص تدل على علم القرطبي التام بمذهب السلف في باب الأسماء والصفات، بل كنت أفهم من بعضها أنه منابذ لعقائد من خالفهم، وفي بعضها الآخر أنه على مذهب مؤوِّلة نصوص الصفات.
فمن أمثلة النوع الأول: عقده بابًا في كتابه الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى (^١) على النحو التالي: "باب ما جاء من الآيات والأخبار في إثبات الصفات من الوجه والعين والجنب والقدم والساعد والأصابع واليدين"، ثم قال بعد ذلك: "قال أئمتنا رضوان الله عليهم: هذه صفات طريق إثباتها السمع، فنثبتها لورود ما صح من ذلك، ولا نكيفها، والكلام في هذه الصفات فرع عن الكلام في الذات".
وقال في موضع آخر من كتابه الأسنى (^٢): "وروى مالك وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا: أمروها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا تشبيه، وقد ذكر الله ﵎ في غير موضع من كتابه: اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات وفسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله تعالى لم يخلق آدم بيده، وقالوا: معنى اليد ها هنا القدرة، وقال
_________________
(١) ٢/ ١٩.
(٢) ٢/ ٢٤.
[ ١ / ٤٢ ]
إسحاق بن إبراهيم (^١): إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد أو مثل يد، أو سمع كسمع أو مثل سمع، وأما إذا قال: لله يد وسمع وبصر ولا يقول: كيد أو مثل سمع فهذا لا يكون تشبيهًا" ا. هـ.
ويقول في تفسيره (^٢): "وقد كان السلف الأول ﵃ لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة، وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء؛ فإنه لا تعلم حقيقته، قال مالك ﵀: الاستواء معلوم، يعني في اللغة، والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة ﵂. وهذا القدر كافٍ، ومن أراد زيادة عليه فليقف عليه في موضعه من كتب العلماء" ا. هـ.
بل نجده يرد على المتكلمين صراحة في ما ذهبوا إليه في أول ما يجب على المكلف (^٣) حيث يقول: "وقد اختلف العلماء في أول الواجبات: هل هو النظر والاستدلال، أو الإيمان الذي هو التصديق الحاصل في القلب الذي ليس من شرط صحته المعرفة؟ فذهب القاضي (^٤) وغيره إلى أن أوّل الواجبات النظر والاستدلال؛ لأن الله ﵎ لا يُعلم ضرورةً وإنما يعلم بالنظر والاستدلال بالأدلة التي نصبها لمعرفته، وقد استدل الباجي (^٥) على من قال: إن النظر والاستدلال أول الواجبات بإجماع المسلمين في جميع الأعصار على
_________________
(١) إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه، الإمام الكبير، سيد الحفاظ، أبو يعقوب، حدث عنه البخاري ومسلم، وأصحاب السنن، وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وهما من أقرانه، توفي سنة ثلاث وستين ومائتين ٢٦٣ هـ، أعلام النبلاء للذهبي ١١/ ٣٥٨.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٧/ ١٤٠ - ١٤١ فقرة رقم ٢١٩.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٢١٠ - ٢١١ باختصار.
(٤) هو القاضي أبو بكر، محمد بن الطيب، ابن الباقلاني، البغدادي، الأصولي، توفي سنة ٤٠٣ هـ، سير أعلام النبلاء ١٧/ ١٩٠.
(٥) أبو الوليد، سليمان بن خلف بن سعد، القرطبي، الباجي، صاحب التصانيف منها: "مختصر المختصر في مسائل المدونة" وكتاب "التسديد في معرفة التوحيد" وكتاب "الإشارة في أصول الفقه" وغير ذلك توفي سنة ٤٧٤ هـ، انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ٥٣٥.
[ ١ / ٤٣ ]
تسمية العامة والمقلد مؤمنين قال: فلو كان ما ذهبوا إليه صحيحًا لما صح أن يُسمّى مؤمنًا إلا من عنده علم بالنظر والاستدلال، قال: وأيضًا فلو كان الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال لجاز للكفار إذا غلب عليهم المسلمون أن يقولوا لهم: لا يحل لكم قتلنا لأن من دينكم أن الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال فأخرونا حتى ننظر ونستدل، قال وهذا يؤدي إلى تركهم على كفرهم وألا يُقتلوا حتى ينظروا ويستدلوا.
قلت: (^١): هذا هو الصحيح في الباب، قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" (^٢)، وذهب بعض المتأخرين والمتقدمين من المتكلمين إلى أن من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرقوها والأبحاث التي حرروها لم يصح إيمانه، وهو كافر، فيلزم على هذا تكفير أكثر المسلمين، وأول من يبدأ بتكفيره آباؤه وأسلافه وجيرانه، وقد أورد على بعضهم هذا فقال: لا تشنع علي بكثرة أهل النار، أو كما قال.
قلت (^٣): وهذا القول لا يصدر إلا من جاهل بكتاب الله وسنة نبيه؛ لأنه ضيق رحمة الله الواسعة على شرذمة يسيرة من المتكلمين اقتحموا في تكفير عامة المسلمين، أين هذا من قول الأعرابي الذي كشف عن فرجه ليبول، وانتهره أصحاب النبي ﷺ: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال النبي ﷺ: "لقد حجّرت واسعًا"، خرجه البخاري (^٤) والترمذي (^٥) وغيرهما (^٦)، من الأئمة، أترى هذا الأعرابي عرف الله بالدليل والبرهان والحجة والبيان؟ وأن رحمته وسعت كل شيء، وكم من مثله محكوم له بالإيمان، بل اكتفى ﷺ
_________________
(١) أي القرطبي.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ١٧، ح ٢٥؛ ومسلم في صحيحه ١/ ٥٢، ح ٢١.
(٣) ما زال القول للقرطبي.
(٤) في صحيحه ٥/ ٢٢٤٢، ح ٥٦٧٩.
(٥) في جامعه ١/ ٢٧٥، ح ١٤٧.
(٦) مسلم في صحيحه ١/ ٢٣٦، ح ٢٨٤؛ وأبو داود في سننه ١/ ١٠٣، ح ٣٨٠؛ وابن ماجه في سننه ١/ ١٧٦، ح ٥٢٩.
[ ١ / ٤٤ ]
من كثير ممن أسلم بالنطق بالشهادتين، وحتى إنه اكتفى بالإشارة في ذلك، ألا تراه لما قال للسوداء: "أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: اعتقها فإنها مؤمنة" (^١)، ولم يكن هناك نظر ولا استدلال بل حكم بإيمانهم في أول وهلة وإن كان هناك عن النظر والمعرفة غفلة، والله أعلم".
فهذه النقول كما ترى موافقة لمذهب السلف في باب الصفات، لكن مع ذلك نجد القرطبي يؤوِّل نصوص الصفات، بل وفي بعض المواضع يدعو إلى التأويل، ويرمي مثبتي الصفات ببعض العبارات المنفرة، فمن الأمثلة على ذلك ما جاء في تفسيره (^٢): "قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] ابتداء وخبر: أي بل نعمته مبسوطة، فاليد بمعنى النعمة (^٣)، ويجوز أن تكون اليد في هذه الآية بمعنى القدرة أي قدرته شاملة فإن شاء وسّع وإن شاء قتّر".
ويقول في صفة الغضب: "ومعنى الغضب في صفة الله تعالى إرادة العقوبة" (^٤).
وقال في كتاب التذكرة (^٥): "وكل حديث اشتمل على ذكر الصوت أو النداء فهذا التأويل فيه، وأن ذلك من باب حذف المضاف، والدليل على ذلك ما ثبت من قدم كلام الله تعالى على ما هو مذكور في كتب الديانات.
فإن قال بعض الأغبياء: لا وجه لحمل الحديث على ما ذكرتموه، فإن فيه: "أنا الديان" وليس يصدر هذا القول حقًّا وصدقًا إلا من رب العالمين.
قيل له: إن المَلك إذا كان يقول عن الله تعالى وينبئ عنه فالحكم يرجع إلى رب العالمين كما بينت".
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٣٨١، ح ٥٣٧.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٦/ ١٥٥ فقرة رقم ٢٣٩.
(٣) وقد مضى قريبًا في ص (٤٢) تسمية القرطبي لمن أوّل اليد بالقدرة جهميًا.
(٤) جامع أحكام القرآن ١/ ١٠٥ فقرة رقم ١٥٠.
(٥) انظر: ص (٦٥٠).
[ ١ / ٤٥ ]
هذا وفي نصوص أخرى نجده يحاول الذب عن السلف وأصحاب الحديث ومنهجهم، مع الإشادة والتأييد في الوقت نفسه بمنهج المخالفين لهم.
جاء في تفسيره (^١) ما يلي: "قال ابن الحصار (^٢): وإنما ظهر التلفظ بها (^٣) زمن المأمون بعد المائتين، لما ترجمت كتب الأوائل، وظهر فيها اختلافهم في قدم العالم وحدوثه، واختلافهم في الجوهر وثبوته والعرض وماهيته، فسارع المبتدعون ومن في قلبه زيغ إلى حفظ تلك الاصطلاحات، وقصدوا بها الإغراب على أهل السنة، وإدخال الشُبه على الضعفاء من أهل الملة، فلم يزل الأمر كذلك إلى أن ظهرت البدعة وصارت للمبتدعة شيعة، والتبس الأمر على السلطان حتى قال الأمير بخلق القرآن، وجبر الناس عليه، وضربَ أحمد بن حنبل على ذلك، وكان مَنْ دَرَجَ (^٤) مِن المسلمين من هذه الأمة متمسكين بالكتاب والسنة، معرضين عن شُبَهِ الملحدين، لم ينظروا في الجوهر والعرض وعلى ذلك كان السلف.
قلت (^٥): "ومن نظر الآن في اصطلاح المتكلمين حتى يناضل بذلك عن الدين، فمنزلته قريبة من النبيين، فأما مَن يُهجن (^٦) من غلاة المتكلمين طريق من أخذ بالأثر من المؤمنين، ويحض على درس كتب الكلام، وأنه لا يُعرفُ الحقُ إلا من جهتها بتلك الاصطلاحات، فصاروا مذمومين لنقضهم طريق المتقدمين من الأئمة الماضين، والله أعلم. وأما المخاصمة والجدال بالدليل والبرهان فذلك بيِّن في القرآن".
وجاء أيضًا عن المؤلف قوله كما في كتاب التذكرة (^٧): "وقد كنت
_________________
(١) ٢/ ١٤٣ - ١٤٤ فقرة رقم ٢١٣، باختصار.
(٢) أحمد بن مضاء بن عبد الجبار بن مضاء، من أهل قرطبة، انظر: التكملة لكتاب الصلة ١/ ١٥.
(٣) أي: الجواهر والأعراض، وغيرها من اصطلاحات أهل الكلام.
(٤) درج هنا: بمعنى انقرض، انظر: الصحاح ١/ ٣١٣.
(٥) أي القرطبي.
(٦) التهجين: التقبيح، انظر: الصحاح ٦/ ٢٢١٧.
(٧) انظر: ص (٢٢٦).
[ ١ / ٤٦ ]
تكلمت مع بعض أصحابنا القضاة ممن له علم وبصر، ومعنا جماعة من أهل النظر فيما ذكر أبو عمر بن عبد البر من قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] فذكرت له الحديث، فما كان إلا أن بادر إلى عدم صحته ولعن رواته، وبين أيدينا رطب نأكله، فقلت له: الحديث صحيح خرجه ابن ماجه في السنن (^١)، ولا تُردُّ الأخبار بمثل هذا القول، بل تُتأول وتحمل على ما يلي من التأويل (^٢)، والذين رووها هم الذين رووا لنا الصلوات الخمس، وأحكامها، فإن صدقوا هنا صدقوا هناك، وإن كذبوا هنا كذبوا هناك، ولا تحصل الثقة بأحد منهم فيما يرويه".