كان الخلفاء والولاة في عصر دولة الموحدين في الأندلس يعملون على تطبيق الشريعة الإسلامية بين الرعية، وفي إداراتهم، وكان لعلماء الدين الإسلامي مكانتهم الخاصة في الدولة، وفي المجتمع الأندلسي عمومًا: فمنهم الذين استعانت بهم الدولة في القضاء، والخطابة، والإفتاء، وغير ذلك من المهام العظيمة، وقد استمد هؤلاء العلماء تلك المكانة من كونهم حملة الشريعة، وحماة الدين.
هذا بالإضافة إلى الإقبال الكبير من الناس في هذا العصر على تعلم الفقه، خاصة الفقه المالكي، الذي كان سائدًا في مدن الأندلس عمومًا بما فيها قرطبة مدينة المؤلف.
أما المعتقد الذي كان سائدًا في ذلك العصر في باب الصفات خاصة: فهو معتقد الأشاعرة الذي تبناه مؤسس دولة الموحدين ابن تومرت (^١).
كما كان للفلسفة وجود كبير في ذلك العصر في الأندلس خاصة على يد أبي الوليد محمد بن أبي القاسم بن رشد، الحفيد، القرطبي المتوفى سنة خمس وتسعين وخمسمائة، والذي كانت وفاته قبل مولد القرطبي المؤلف بقليل، فابن رشد يعتبر مؤسسًا لدعائم الفلسفة في ذلك العصر بخدمته لكتب الأوائل ونشرها
_________________
(١) انظر: التاريخ الإسلامي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة سنة ٨٩٧ هـ للدكتور عبد الرحمن الحجي ص (٤٩٩)؛ ودولة الأندلس في نهاية المرابطين ومستهل الموحدين، عصر الطوائف الثاني ص (٢٧٢) للدكتورة عصمت دندش؛ ودولة الإسلام في الأندلس ٢/ ٥٥١، (الملاحق)، وانظر: ص (١٣).
[ ١ / ١٩ ]
في مجتمعه، والتي كان من أبرزها: كتاب جوامع كتب أرسطوطاليس، وكتاب تلخيص الإلهيات لنيقولاوس، ومقالة فيما يعتقده المشَّاؤون وما يعتقده المتكلمون في كيفية وجود العالم (^١).
كما ذاع في ذلك العصر معتقدٌ خَلَطَ بين فلسفة الأوائل والتصوف على يد محيي الدين بن عربي: محمد بن علي الطائي الأندلسي، المتوفى سنة ثمان وثلاثين وستمائة، الذي ألف كتاب الفتوحات المكية، وفصوص الحكم، اللذين أصَّل فيهما عقيدة وحدة الوجود الكفرية، التي انتشرت فيما بعد في قطاع كبير من بقاع المسلمين داخل وخارج الأندلس (^٢).