الأولى: تتعلق باسم الكتاب حيث جاء في جميع تلك الطبعات العنوان التالي: التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، وقد نص المصنف على اسم كتابه في مقدمته فقال وسميته: "كتاب التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة"
[ ١ / ٧٤ ]
فكون المصنف ينص على اسم كتابه في مقدمته بقوله: (بأحوال الموتى)، ثم يُكتب بصيغة تخالفه: (في أحوال الموتى، فهذا تساهل لا يليق بعمل علمي، على الرغم من تناوب حرفي الفاء والباء في المعنى في العربية، كما يتنافى أيضًا مع رغبة المصنف في تسمية الكتاب، علمًا بأن التسمية الصحيحة للكتاب موجودة في مقدمة المؤلف لكتابه في جميع تلك الطبعات.
الثانية: اعتماد جميع تلك الطبعات على نسخة واحدة في إخراج الكتاب جعلوها أصلًا دون مقابلة هذا الأصل مع نُسَخٍ أخرى لتقويم النص، وهذا النقص وحده يُخْرِجُ جميع تلك الطبعات عن حدِّ التحقيق الذي وضعه كبار المحققين لمعنى التحقيق.
يقول أ. د. عبد الرحيم عسيلان في كتابه تحقيق المخطوطات بين الواقع والنهج الأمثل (^١) في المدلول الاصطلاحي المدلول الاصطلاحي لمعنى التحقيق: "وهو الذي يتمثل في إخراج الكتاب على أسس صحيحة محكمة من التحقيق العلمي في عنوانه، واسم مؤلفه، ونسبته إليه، وتحريره من التصحيف والتحريف والخطأ والنقص والزيادة، أو إخراجه بصورة مطابقة لأصل مؤلفه أو الأصل الصحيح الموثوق إذا فقدت نسخة المؤلف"، ويقول أيضًا: "ويبدو أن جمهرة من الذين صنفوا في أصول تحقيق المخطوطات يركزون في تعريفهم للتحقيق على إخراج النص بالصورة التي جاءت عند المؤلف. ولا مراء في أن الغاية القصوى من التحقيق تتجه إلى تحرير النص وقراءته قراءة صحيحة على النحو الذي جاء به عند مؤلفه، ومع ذلك فيما أرى يقتضي التحقيق الحرص على اختيار النسخ المعتمدة للتحقيق، وتحديد أصل منها،. . إلى قوله: ومقابلة الأصل بالنسخ الأخرى المختارة، وإثبات الفروق المناسبة في حاشية التحقيق … وعلى هذا درج كبار المحققين في عصرنا كما يبدو من نهجهم العملي الذي قاموا بتحقيقه من المخطوطات مثل أحمد زكي، والشيخ محيي الدين عبد الحميد، وأحمد محمد شاكر، وأخيه محمود محمد شاكر، وعبد السلام هارون، ومحمد أبي الفضل
_________________
(١) ص (٣٦).
[ ١ / ٧٥ ]
إبراهيم، وأحمد صقر وغيرهم" (^١).
فمما سبق يتضح أن مفهوم التحقيق يتجه بالدرجة الأولى إلى الاهتمام بنص الكتاب من حيث ضبطه ومعالجة نصوصه وإثبات فروق النسخ؛ لاحتمال أن يكون ما بتلك النسخ هو الصواب، وأما من لم يفعل ذلك فلا يحق له أن يكتب على عمله: حققه فلان، وإنما من الأمانة العلمية أن يكتب عليه الجهد الذي قام به في الكتاب كأن يقول: خرّج أحاديثه، أو علق عليه، لأن هذه الأمور من مراحل التحقيق، وليست هي كل التحقيق، ويسمي بعض المحققين هذه المرحلة بمرحلة تخريج النصوص والتعليقات (^٢) وهي مرحلة مهمة في التحقيق دون شك، وإن كانت اهتمامات بعض المحققين الذين لهم خبرة في التحقيق كالأستاذ عبد السلام محمد هارون تتجه بالدرجة الأولى إلى معالجة مشاكل النص: بتصحيح أخطائه من تصحيف وتحريف وزيادة ونقص، وإثبات فروق النسخ في أعمالهم التحقيقية (^٣).
ومما يُذْكَرُ هنا للأخ البسطويسي أنه كتب على عمله في كتاب التذكرة: خرّج أحاديثه، ولم يقل حققه؛ لأنه اهتم بعمل معين فذكره، وأما مفهوم التحقيق فيدخل فيه بالإضافة إلى معالجة النصوص وإثبات الفروق بين النسخ: تخريج الآيات والأحاديث وتوثيق النصوص .. إلى غير ذلك من التعليقات التي تخدم الكتاب.
الملحوظة الثالثة: خلت بعض طبعات الكتاب تمامًا من عزو النصوص إلى مصادرها، عدا بعض الطبعات فقد عزت عددًا من النصوص الحديثية فقط إلى مظانها - تتفاوت الطبعات في ذلك - وحتى هذه الطبعات إنما اكتفت في توثيق النصوص الحديثية بإثبات الجزء والصفحة أو الكتاب والباب اللذين ورد
_________________
(١) تحقيق المخطوطات بين الواقع والنهج الأمثل ص (٣٦ - ٣٧)، مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية.
(٢) انظر: تحقيق المخطوطات بين الواقع والنهج الأمثل ص (٢٠٩).
(٣) انظر: الكتب التي حققها عبد السلام محمد هارون، وكذلك كتاب تحقيق النصوص ونشرها له، أول كتاب عربي في هذا الفن، يوضح مناهجه ويعالج مشاكله.
[ ١ / ٧٦ ]
فيهما الحديث دون مقابلة النصوص التي في كتاب التذكرة بما في تلك المصادر التي نُقلت منها، ومثل تلك المقابلات لها فوائد منها:
١ - تبين دقة المؤلف في نقله في مصادره.
٢ - تقوي من احتمال صحة المتن الموجود في الأصل إن كان موافقًا لمصدره، أو تقوي صحة ما في النسخ الأخرى إن كانت متوافقة أو بعضها مع مصدر المؤلف، مثال ذلك: جاء في متن المؤلف في نسخة الأصل الجملة التالية: "فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحبًا وأهلًا أما إن كنت لأحب من يمشي على ظهري فإذا وليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك، قال: فيتسع له مد بصره"، فكلمة: "قال" ليست في نسخة (ع) ونسخة (ظ)، والنسخة التي اتخذها أصلًا متوافقة مع سنن الترمذي أي أن كلمة (قال) كما هي موجودة في النسخة الأصل فهي أيضًا في سنن الترمذي وهو مصدر المؤلف.
وفي نفس النص السابق جاء ما يلي: "فإذا وليتك اليوم فصرت إليّ فسترى صنيعي"، وجاء في نسخة (ع) ونسخة (ظ) وسنن الترمذي: (وصرت) بدلًا من (فصرت) التي جاءت في الأصل، بل جاءت زيادة في سنن الترمذي لا توجد في جميع النسخ سواء الأصل أو نسخ المقابلة، فالذي في النسخ الخطية ما يلي: (قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب) وجاء في سنن الترمذي زيادة (هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه)، فعلى فرض أن المصنف ذكر حكم الترمذي مختصرًا، فإن إثبات تلك الزيادة كفرق مهمة؛ لأن الإمام الترمذي ﵀ لو لم ير فائدتها لاكتفى في الحكم على ما اكتفى به المصنف.
٣ - تَحِلُّ مقابلة النصوص التي في متن المصنف مع مصادرها بعض الإشكالات، فعلى سبيل المثال: جاء في متن كتاب التذكرة في جميع نسخ الكتاب الخطية التي اعتمدتها ما يلي: "مسلمٌ عن عائشةَ ﵂ قالت: قلت يا رسول الله (^١): كيفَ أقولُ إذا دخلت المقابر؟ قال: "قُولِي السلامُ على أهلِ
_________________
(١) تأخر عبارة (يا رسول الله) في صحيح مسلم إلى ما بعد كلمة: لهم.
[ ١ / ٧٧ ]
الدِّيارِ مِن المؤمنينَ والمسلمينَ، ويرحمُ اللهُ المُسْتقْدِمِينَ منا، والمُسْتَأخِرِينَ، وإنّا إن شاءَ اللهُ بكم لاحِقُون" (^١)، خرَّجه مسلم (^٢)، هكذا جاء متن هذا الحديث في نسخة الأصل ونسخة (ظ) (^٣).
وأما لفظ الحديث في صحيح مسلم فهو على النحو التالي: "قالت: قلت: يا رسول الله كيف أقول لهم؟ قال: قولي السلام على أهل الديار. . ." الحديث، فعبارة: "إذا دخلت المقابر"، ليست في صحيح مسلم، ومثل هذا الإدراج له خطورته بحيث يؤثر في الاستدلال بالحديث فيكون إقرارًا من النبي ﷺ في محل النزاع في زيارة النساء للقبور (^٤).
ولم ينبه على هذا الإدراج أحد ممن خرّج أحاديث كتاب التذكرة، ولا يمكن أن يُكْتَشَفَ أو يُعْرَفَ مثل هذا الإدراج إلا بمقابلة نصوص المؤلف المنقولة من المصادر بالنصوص الموجودة في تلك المصادر.
الملحوظة الرابعة على الطبعات السابقة: خلو تلك الطبعات من تراجم الأعلام الواردين في الكتاب، وفائدة التراجم لا تخفى، فهي تبين الصفة العلمية والتاريخية للمترجم له، وبالتالي إن كان لصاحب الترجمة قول يستشهد به فإن قوله يكتسب قبولًا في النفس لمكانة صاحب القول العلمية، وكلما كان متقدمًا اكتسب قوله قوة لقربه من عهد النبوة والقرون المفضلة.
الملحوظة الخامسة: خلو الطبعات السابقة تمامًا من ضبط الكلمات التي تحتاج إلى ضبط، والذي بعدمه قد يصبح المعنى محتملًا لغير المراد.
الملحوظة السادسة: الدراسة التي عُملت للمؤلف والكتاب في الطبعات السابقة لا تتناسب ومكانة الكتاب وأهميته، ومكانة مؤلفه.
الملحوظة السابعة: من المعلوم أنه لا تكاد تسلم نسخة خطية من
_________________
(١) في (صحيح مسلم): للاحقون.
(٢) في صحيحه ٢/ ٦٧١، ح ٩٧٥.
(٣) لم أشر إلى نسخة (ع)؛ لأن الباب الذي فيه هذا الحديث ليس في نسخة (ع).
(٤) انظر: تفاصيل المسألة ص (١٣٠) من الكتاب.
[ ١ / ٧٨ ]
التصحيف والتحريف (^١) والزيادة والنقص، وغير ذلك من الأخطاء التي تنشأ من النساخ لا محالة، فمن الملاحظ على جميع تلك الطبعات عدا طبعة د. السّقا عدم الإشارة إلى مصادر إكمال النقص، أو إصلاح الخطأ في نسخهم، فلا أدري هل أكملوا ما فيها من نقص، وصححوا ما بها من تصحيف وتحريف باجتهاداتهم، أم من الطبعات التي سبقتهم دون الإشارة إلى ذلك.
* * *
_________________
(١) المراد بالتصحيف: الالتباس الذي قد يقع في نقط الحروف المتشابهة الشكل كالباء والتاء والثاء، والجيم والحاء والخاء، والدال والذال، والراء، والزاي، والسين والشين. وأما التحريف: فهو خاص بتغيير شكل الحروف ورسمها كالدال والراء، والنون والزاي. انظر: تحقيق النصوص ونشرها لعبد السلام هارون ص (٦٧).
[ ١ / ٧٩ ]