١ - زهده وتواضعه: قال ابن فرحون المالكي عن المؤلف: "كان من عباد الله الصالحين (^٢)، والعلماء العارفين الورعين الزاهدين في الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة، أوقاته معمورة ما بين توجه وعبادة وتصنيف".
وقال عنه أيضًا: "وكان قد اطرح التكلف: يمشي بثوب واحد وعلى رأسه طاقية" (^٣).
وقد ألف القرطبي ﵀ كتابًا في الزهد سماه: (الزهد والقناعة ورد ذل السؤال بالكسب والصناعة)، وقد كان زهد المصنف عن علم وبصيرة، وقد
_________________
(١) القَرْمَد: ضرب من الحجارة يوقد عليها، فإذا نضج طُلي به. الصحاح ٢/ ٥٢٤.
(٢) تُحْمل عبارة ابن فرحون على تقدير محذوف: (هكذا أحسبه، أو أظنه)؛ لأن الحكم بالصلاح القطعي لا يعلمه إلا الله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، فالله تعالى لا يشاركه أحدٌ من خلقه في علم ما بالقلوب أو تقواه حتى يحمل اسم التفضيل على بابه، وإنما لنا الحكم بما ظهر من حال الشخص.
(٣) انظر: الديباج المذهب ٢/ ٣١٧ - ٣١٨.
[ ١ / ٢٨ ]
كان يشنِّع على الصوفية الذين لم يفهموا الزهد على المعنى الصحيح، فقد جاء عنه في تفسيره (^١) ما نصه: "فإنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه امتنع من طعام لأجل طيبه قط، بل كان يأكل الحلوى والعسل والبطيخ والرطب، وإنما يكره التكلف لما فيه من التشاغل بشهوات الدنيا عن مهمات الآخرة، والله تعالى أعلم.
قلت (^٢): وقد كره بعض الصوفية أكل الطيبات، واحتج بقول عمر ﵁: "إياكم واللحم فإن له ضراوة كضراوة الخمر" (^٣)، والجواب: أن هذا من عمر قول خُرِّج على من خشي منه إيثار التنعم في الدنيا والمداومة على الشهوات، وشفاء النفس من اللذات ونسيان الآخرة والإقبال على الدنيا؛ ولذلك كان يكتب عمر إلى عماله إياكم والتنعم وزي أهل العجم واخشوشنوا، ولم يُردْ ﵁ تحريمَ شيء أحلّه الله، ولا تحظير ما أباحه الله تبارك اسمه، وقول الله ﷿ أولى ما امتثل واعتمد عليه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وقد مضى في المائدة (^٤) الرد على من آثر أكل الخشن من الطعام وهذه الآية ترد عليه وغيرها والحمد لله".
٢ - شجاعته وثبات جنانه: جاء في كتاب الوافي بالوفيات للصفدي (^٥) ما يلي: "ترافق القرطبي المفسر، والشيخ شهاب الدين القرافي (^٦) في السفر إلى الفيوم (^٧)، وكلٌّ منهما شيخ فنه في عصره: القرطبي في التفسير والحديث،
_________________
(١) ٧/ ١٢٧ - ١٢٨ رقم الفقرة ١٩٩.
(٢) ما زال القول للقرطبي.
(٣) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٩٣٥، ح ١٦٧٣؛ وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٥/ ١٤١، ح ٢٤٥٣١.
(٤) أي في تفسير سورة المائدة من تفسير المصنف الجامع لأحكام القرآن ٦/ ١٦٩ فقرة رقم ٢٦٢.
(٥) ٢/ ١٢٢ - ١٢٣.
(٦) أحمد بن إدريس، أبو العباس شهاب الدين القرافي المالكي، برع في الفقه، والأصول، والعقليات. له مصنفات منها: شرح محصول الرازي، وكتاب التنقيح في أصول الفقه، انظر: الديباج لابن فرحون ١/ ٦٢.
(٧) مدينة مصرية تقع إلى الجنوب الغربي من القاهرة، على الضفة الغربية لنهر النيل عند بحيرة قارون. موسوعة المدن العربية والإسلامية للدكتور يحيى الشامي ص (٢٠٤).
[ ١ / ٢٩ ]
والقرافي في المعقولات، فلما دخلاها ارتادا مكانًا ينزلان فيه، فدُلَّا على مكان، فلما أتياه قال لهما إنسان: يا مولانا بالله لا تدخلاه؛ فإنه معمور بالجان، فقال الشيخ شهاب الدين للغلمان: ادخلوا ودعونا من هذا الهذيان، ثم إنهما توجها إلى جامع البلد إلى أن يفرش الغلمان المكان، ثم عادا، فلما استقرا بالمكان سمعا صوت تَيْسٍ من المعز يصيح داخل الخرستان (^١)، وكرر ذلك الصياح فامتقع لون القرافي وخارت قواه، ثم إن الباب فُتِحَ وخرج منه رَأْسُ تَيْسِ، جعل يصيح، فذاب القرافي خوفًا، وأما القرطبي فإنه قام إلى الرأس وأمسك بقرنيه وجعل يتعوذ ويبسمل ويقرأ: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أم عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] ولم يزل كذلك حتى دخل الغلام ومعه حبل وسكين، وقال: يا سيدي تنح عنه، وجاء إليه وأخرجه وأنكاه وذبحه، فقال له: ما هذا؟ فقال: لما توجهتما (^٢) رأيته فاسترخصته واشتريته لنذبحه ونأكله وأودعته هذا الخرستان، فأفاق القرافي في حاله وقال: يا أخي لا جزاك الله خيرًا ما كنت قلت لنا وإلا طارت عقولنا".