قال العلماء (^٨): الموتُ ليس بعدمٍ محْضٍ، ولا فناءٍ صرفٍ، [و] (^٩) إنما
_________________
(١) = بخط سميك، وأقرب صاحب كتاب نقلَ عنه كُتب بخط سميك هو مسلم ﵀ والحديث فيه؛ فعلى هذا المنهج يكون قد زال الإشكال عندي في إرجاع الضمير والله تعالى أعلم.
(٢) أخرجه مسلم ٤/ ٢٠٦٥، ح ٢٦٨٢.
(٣) في صحيحه ٥/ ٢١٤٧، ح ٥٣٤٩ و٦/ ٢٦٤٤، ح ٦٨٠٨.
(٤) ما بين المعقوفتين من (ع، ظ، م، والبخاري) وهي ساقطة من الأصل وأشير إليها بعلامة إلحاق هكذا () في مكانها، ومع ذلك سها الناسخ عن كتابتها في الهامش.
(٥) الحافظ العلّامة أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري، صاحب المسند الكبير، توفي سنة ٢٩٢ هـ انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/ ٦٥٣ - ٦٥٤.
(٦) الهول: الخوف، والأمر الشديد، النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ٥/ ٢٨٢.
(٧) المطلع: الموقف يوم القيامة، أو ما يُشْرِف عليه من أمر الآخرة عقيب الموت، النهاية في غريب الحديث ٣/ ١٣٢ - ١٣٣.
(٨) كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة للهيثمي ٤/ ٧٨، ح ٣٢٤٠ (لم أجد هذا الحديث في مسند البزار المطبوع)؛ ورواه أحمد في المسند ٣/ ٣٣، ح ١٤٦٠٤؛ قال الهيثمي: إسناده حسن، مجمع الزوائد ١٠/ ٢٠٣؛ وقال الألباني: ضعيف، انظر: ضعيف الجامع الصغير وزيادته ص (٢٩١)، ح ٢٠٠٦.
(٩) أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي شيخ المصنف، حيث ذكر القول بحروفه في كتابه المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم له ٢/ ٥٧٤ كتاب الجنائز، باب في إغماض الميت والدعاء له.
(١٠) ما بين المعقوفتين من (ع، ظ، م، مصدر المؤلف).
[ ١ / ١١١ ]
هو انقطاعُ تعلقِ الروحِ بالبدنِ، ومفارقتُهُ، وحيلولة بينهما (^١)، وتبدلُ حالٍ، وانتقالٌ من دارٍ إلى دار (^٢)، وهو من أعظم المصائبِ، وقد سمّاه اللهُ تعالى مصيبةٌ في قولهِ: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦]، فالموتُ هو المصيبةُ العُظمى والرزيةُ الكُبْرَى.
قال علماؤنا (^٣): وأعظمُ منه الغفلةُ عنه، والإعراضُ عن ذِكْرِهِ، وقلةُ التفكرِ فيهِ، وتركُ العمل له، وإنّ فيه وحدَه لعبرةً لمن اعتبرَ، وفكرةً لمن تفكر.
و(^٤) في خبرٍ يُروى (^٥) عن النبي (^٦) ﷺ: "لو أنّ البهائمَ تعلمُ مِن المَوْتِ ما تعلمون ما أكلتُم مِنها سمينًا" (^٧).
ويُروى أن أعْرابيًا كان يسير على جملٍ له فخرَّ الجملُ ميْتًا، فنزل الأعرابيُّ عنه، وجعلَ يطوفُ بهِ ويتفكرُ فيهِ ويقولُ: ما لكَ لا تقومُ؟! ما لكَ لا تنبعثُ؟! هذِهِ أعضاؤكَ كاملةٌ، وجوارحكَ سالمةٌ، ما شأنُكَ؟! ما الذي كان يحْمِلُكَ؟! ما الذي كان يبعثُكَ؟! ما الذي صرعَكَ؟! ما الذي عن الحركةِ منعك؟! ثم تركَهُ وانصرف متفكرًا في شأنِه، متعجِبًا من أمرِهِ (^٨).
_________________
(١) نهاية قول أبي العباس القرطبي.
(٢) يقول ابن القيم: موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها، وخروجها منها، فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت، وإن إريد أنها تعدم وتضمحل وتصير عدمًا محضًا، فهي لا تموت بهذا الاعتبار، بل هي باقية بعد خلقها في نعيم أو عذاب، انظر: الروح ص (٣٤)؛ وعرَّفه الجرجاني بأنه: صفة وجودية خلقت ضد الحياة، انظر: التعريفات له ص (٣٠٤) رقم ١٥٢٠.
(٣) (قال علماؤنا): ليست في (ع، ظ)، والقائل هو: أبو محمد عبد الحق الإشبيلي في كتابه العاقبة في ذكر الموت والآخرة ص (٤٣).
(٤) الواو ليس في (ع).
(٥) في (ع، ظ): مروي.
(٦) في (ع): رسول الله.
(٧) في زوائد نعيم بن حماد على كتاب الزهد لابن المبارك ٢/ ٣٨، ح ١٥٢ من بلاغات الحسن بن صالح؛ ورواه أبو نعيم في الحلية عن سفيان الثوري بلفظ: "لو أن البهائم تعقل من الموت ما تعقلون. . ." ٦/ ٣٩٢؛ قال الألباني: ضعيف جدًّا، انظر: ضعيف الجامع الصغير وزيادته ص (٦٩٤)، ح ٤٨١٣.
(٨) ذكر هذه الرواية أبو محمد في العاقبة ص (٤٥).
[ ١ / ١١٢ ]
وأنشدوا في بعض الشجعان مات حتف أنفه (^١):
جاءته من قِبل المَنُونِ (^٢) إشارةٌ … فهوى صريعًا لليدين وللفمِ
ورمَي بِمُحْكَمِ دِرْعِهِ وَبِرُمْحِهِ … وامتدَّ مُلَقى كالفنيقِ (^٣) الأعْظَمِ
لا يستجيبُ لصارخٍ إِنْ يَدْعُهُ … أبدًا ولا يُرجى لخطبٍ مُعْظمِ
ذهبتْ بسالتُهُ (^٤) ومرَّ غرَامُهُ (^٥) … لمّا رأى خيلَ المنيةِ تَرْتَمِي
يا ويحَهُ (^٦) مِن فارسٍ مَا بَالهُ … ذهبتْ مروتُهُ ولما يُكلم (^٧)
هذِي يَدَاهُ وهذِهِ أعضاؤه … ما مِنْهُ مِنْ عُضْوٍ غدا بِمثْلم (^٨)
هَيْهَاتَ ما خيلُ الردى مُحْتاجَةٌ … للمَشْرِفِي (^٩) ولا السنانِ اللَّهْذَمِ (^١٠)
هي ويْحَكُمْ أَمرُ الإلهِ وحُكْمُه … والله يقضِي بالقضاءِ المُحْكمِ
يا حَسْرة لو كان يُقْدَرُ قدرُها … ومصيبةٌ عَظُمتْ ولمّا تعْظُمِ
_________________
(١) في (ع، ظ): وأنشدوا.
(٢) المنون والمنية: الموت. الصحاح للجوهري ٦/ ٢٢٠٧، ٢٤٩٧.
(٣) الفنيق: هو الفحل المُكرَم، الذي لا يُركب ولا يُهان، وناقة فُنق أي فتية، سمينة. الصحاح ٤/ ١٥٤٥، لسان العرب لابن منظور ١٠/ ٣١٣.
(٤) البسالة: الشجاعة، الصحاح ٤/ ١٦٣٤.
(٥) كذا في (الأصل) و(ع، والعقابة لأبي محمد عبد الحق): غرامه، والغرام هو الولوع بالشيء، الصحاح ٥/ ١٩٩٦ فعلى هذا يكون المعنى: ذهبت بسالته ومر ولوعه بالقتال وخوض الحروب، وفي (ظ): عرامه: والعُرَام: الشدة، والقوة، والشراسة. انظر: الصحاح ٥/ ١٩٨٣؛ لسان العرب ١٢/ ٣٩٥، وهناك احتمال أن يكون صواب الكلمة (عُرَامه) كما في (ظ) ثم تصحفت الضمة التي على العين إلى نقطة والذي يساعد على صحة هذا الاحتمال قوة مناسبة كلمة (عُرامه) لمعنى البيت.
(٦) ويح: كلمة رحمة. الصحاح ١/ ٤١٧.
(٧) الكَلْمُ: الجراحة، والجمع: كُلُومٌ وكِلام الصحاح ٥/ ٢٠٢٣ - لم يُكلم أي لم يُجرح -.
(٨) الثُلْمةُ: الخلل في الحائط وغيره، يُقال: في السيف ثَلْمٌ، وفي الإناء ثلمٌ إذا انكسر من شفته شيءٌ. الصحاح للجوهري ٥/ ١٨٨١ - والمراد لم ينكسر منه أي عضوٍ من جسمه -.
(٩) المشرفي: السيف، الصحاح ٤/ ١٣٨٠.
(١٠) اللهذم من الأسنة: القاطع، الصحاح ٥/ ٢٠٣٧.
[ ١ / ١١٣ ]
خبرٌ علمنا كُلنا بمكانِهِ … وكأننا في حالنا لم نعلمِ (^١)
وروى الترمذيُّ الحكيم (^٢) أبو عبدِ الله (^٣): حدثنا قتيبةُ بن سعيد (^٤) والخطيبُ بنُ سالم عن عبد العزيزِ (^٥) المَاجِشون عن محمدِ بن المُنكَدِرِ قال: مات ابنٌ لآدم ﵇ فقال: يا حوّا (^٦) إنه (^٧) قد ماتَ ابنُكِ، قالتْ: وما الموتُ؟! قال: لا يأكلُ، ولا يشرب، ولا يقومُ، ولا يقعدُ، فَرنَّتْ (^٨). فقالَ آدم ﵇: عليكِ الرّنة وعلى بناتِكِ أنا وبني مِنْها بَرآء".