زيارةُ القبور للرجالِ (^١) متفَقٌ عليه (^٢) عِند العلماء، مُخْتَلَفٌ فِيه للنِّساءِ، أمّا الشّوابُ فحرامٌ عليهنّ الخرُوجُ، وأما القَواعِد فمُباحٌ لهنَّ ذلِكَ، وجائزٌ لجَمِيعِهِنَّ ذلك (^٣) إذا انفرَدْنَ بالخروج عن الرجال (^٤)، ولا يختلفُ في هذا إن شَاء الله تعالى (^٥).
و(^٦) على هذا المعنَى يكون قوله ﵇: "زورُوا القُبور"، عامٌّ (^٧)، وأما موضعٌ، أو وقتٌ يُخشَى فيه الفتنة من اجتِماع الرجال والنِّساء فلا يحِل ولا
_________________
(١) في (الأصل): للرجل، والتصويب من (ع، ظ، م).
(٢) هكذا في جميع النسخ، ولعل الضمير يرجع إلى محذوف تقديره: أمرٌ.
(٣) في (الأصل): وجائز ذلك لجميعهن، وما أثبته من (ع، ظ، م).
(٤) ذكر أبو محمد في العاقبة ص (٢١٢ - ٢١٣) كلامًا قريبًا من هذا، فربما تصرف فيه المصنف.
(٥) بل الخلاف في زيارة النساء للقبور مشهور ومبسوط في كتب أهل العلم، انظر: التمهيد لابن عبد البر ٣/ ٢٣٢ - ٢٣٥؛ والمجموع شرح المهذب للنووي ٥/ ٣١١؛ والمغني لابن قدامة ٢/ ٤٣٠؛ ومجموع الفتاوى لابن تيمية ٢٤/ ٣٤٣ - ٣٥٩، وجزء في زيارة النساء للقبور لبكر بن عبد الله أبو زيد. والخلاف بين أهل العلم في هذه المسألة يدور بين التحريم والكراهة والإباحة، ولم أقف على من قال باستحباب زيارة النساء للقبور، فغاية ما قالوه الإباحة والجواز بشروط وضوابط في الخروج، وحدُّ المباح هو "ما أذن الله في فعله وتركه غير مقترن بذم فاعله وتاركه ولا مدحه وهو من الشرع" روضة الناظر لابن قدامة ١/ ١١٦، فالإباحة في الزيارة لا بُدّ فيها من إذن الشارع وهو أمر متنازع فيه، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن الزائرة لا تثاب على زيارتها ولا تمدح بفعلها، فلم يبق لها إلا فائد الانتفاع الشخصية من تذكر الموت والآخرة وهي مصلحة خاصة محاطة بالفتن ومحاذير الجزع وقلة الصبر والنياحة على الموتى، بل محاطة بالشرك من دعاء الموتى والاستغاثة بهم، فإذا عُلِمَ هذا فإن المتقرر في قواعد الشريعة الإسلامية أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فتمنع النساء من زيارة القبور سدًّا لتلك الذرائع، والله تعالى أعلم.
(٦) (الواو): ليست في (ع).
(٧) هكذا (عام) بالرفع في (الأصل، ع، م)، وفي (ظ): عامًا، بالنصب، والذي يظهر أن الصواب ما في (ظ)؛ لأن كان هنا ناقصة فاسمها (قولهُ) وخبرها (عامًا) والله أعلم.
[ ١ / ١٣٠ ]
يجوز، فبينا الرجلُ يخرُج ليعتَبِرَ (^١) فيقع بصرُه على امرأةٍ فَيَفْتَتِنَ، وبالعكس، فيرجع كل واحدٍ من الرجال والنِّساء (^٢) مأزُورًا غير مأجور، وهذا واضح، والله أعلم.
وقد رأى بعض أهل العلم (^٣): أن لعن النبي ﷺ زوّارات القبور (^٤) كان (^٥) قبل أن يرخِّص في زيارة القبور (^٦)، فلما رخّص (^٧) دخل في رخصته الرجال والنساء، وما ذكرناه لك أولًا أصح، والله أعلم.
ورُوي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه خرج إلى المقبرة (^٨)، فلمّا أشرف عليها قال: يا أهل القبور أخبرونا عنكم، أو نخبركم، أمَّا خبر من (^٩) قِبَلِنَا: فالمال (^١٠) قد اقتُسم، والنساء قد تزوجن، والمساكن قد سكنها قوم غيركم، [ثم قال] (^١١): أما والله لو استطاعوا لقالوا: لم نرد زادًا خيرًا من التقوى (^١٢).
ولقد أحسن أبو العتاهية (^١٣) حيث يقول:
يا عجبًا للناس لو فكروا … وحاسَبُوا أنفسَهم أبصَروا (^١٤)
وعَبَروا الدّنْيا إلى غيرها … فإنما الدُّنْيا لهم مَعْبَرُ
_________________
(١) في (الأصل): فيعتبر وما أثبته من (ظ، م).
(٢) (من قوله:) فلا يحل ولا يجوز .. إلى هذا الموضع سقط في (ع).
(٣) صاحب الرأي هو: ابن عبد البر في التمهيد ٧/ ٢٣٢.
(٤) في (ظ): أن نهي رسول الله ﷺ عن زيارة القبور.
(٥) (كان): ليست في (ظ).
(٦) في (ظ): في زيارتها.
(٧) من قوله: وقد رأي بعض أهل العلم … إلى هذا الموضع سقط في (ع).
(٨) في (ع): مرّ إلى المقبرة.
(٩) في (ع، ظ): ما، وما بالأصل أحسن؛ لأن أكثر ما يستعمل للعاقل: (مَنْ).
(١٠) في (ظ): فإن المال.
(١١) ما بين المعقوفتين من (ع، ظ).
(١٢) ذكره ابن عبد البر في الاستذكار ٢/ ١٦٤؛ وأبو محمد عبد الحق في العاقبة ص (١٩٦).
(١٣) إسماعيل بن قاسم بن سويد العَنَزي مولاهم الكوفي، أبو إسحاق، رأس، سار شعره لجودته، وحسنه، وعدم تقعره، توفي سنة ٢١١ هـ، وقيل ٢١٣ هـ، وفيات الأعيان لابن خلكان ١/ ٢١٩؛ سير أعلام النبلاء ١٠/ ١٩٥ - ١٩٧.
(١٤) في (ع): وأبصروا.
[ ١ / ١٣١ ]
لا فخرَ إلا فخر أهلِ التُّقَى … غدًا إذا ضمّهُمُ المحشرُ (^١)
ليَعلَمَنَّ الناسُ أنّ التُّقى (^٢) … والبرَّ كانا خير ما يُدخَرُ
عجبتُ للإنسان (^٣) في فخرِه … رهو غدًا في قبره (^٤) يُقبرُ
ما بالُ مَنْ أوّلُه نُطفةٌ … وجيفةٌ آخره يفخرُ (^٥)
أصبحَ لا يملكُ تقديم … ما يرجو ولا تأخيرَ ما يحذرُ
وأصبح الأمر إلى غيره … في كل ما يُقضَى وما يقدرُ (^٦)