إذا ثبت ما ذكرناه فاعلم أن ذكر الموت يورث استِشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانيةِ، والتوجه في كل لحظة إلى الآخرة الباقية، ثم إن الإنسان لا ينفك عن حالتي ضيق، وسَعةٍ، ونِعمة، ومِحنة (^٧)، فإن كان في حال ضيق، ومحنَةٍ (^٨) فذكرُ الموت يسَهل عليه بعض ما هو فيه فإنه لا يدوم، والموتُ أصعبُ منه، أو في حال نعمة وسعة، فذكر الموت يمنع من (^٩) من
_________________
(١) في (الأصل): ويشتغل، والتصويب من (ع، ظ، والعاقبة).
(٢) إلى هنا انتهى قول أبي محمد.
(٣) في (ع، ظ): كثيرًا ينشد هذه الأبيات.
(٤) في الصحاح ٦/ ٢٥٢١: أودى فلان، أي هلك.
(٥) في (الأصل): يردُ، وفي الأغاني: تجري بينها البرد، وما أثبته من (ع، ظ)؛ لقربه مما في الأغاني؛ ولأن البَرَد يأتي بمعنى ثبوت الحق على الآخرين، والخصومة يوم القيامة بين الإنس والجن معلومة، وانظر: الصحاح ٢/ ٤٤٦.
(٦) جزء من قصيدة طويلة لورقة بن نوفل، أوردها أبو الفرج الأصبهاني في كتابه الأغاني ٣/ ١١٥؛ وذكر أبو داود السجستاني في كتابه الزهد ص (٩٦) البيت الأول منها عن عمر ﵁.
(٧) في (ظ) تقديم وتأخير: حالتي ضيق، ونعمة، ومحنة، وسعة.
(٨) (فإن كان في حال ضيق، ومحنَةٍ): ليست في (ظ).
(٩) في (ع، ظ): يمنعه.
[ ١ / ١٢٣ ]
الاغترار بها، والسكون إليها لقَطعهِ عنها، ولقد أحسن من قال (^١):
اذكر الموتَ هادمَ اللذات … وتجهز لمصرَعٍ سوف يأتي (^٢)
وقال آخر (^٣):
واذكرِ المؤتَ تجده راحة … في اذكار (^٤) الموتِ تقصير الأمل
وأجمعت الأمةُ على أنّ الموْتَ ليسَ لَهُ سنُّ معلومٌ، ولا زمنٌ معلومٌ، ولا مرض معلوم (^٥)؛ وذلك ليكونَ المرءُ على أُهْبَةٍ من ذلك، مستعدًا لذلك، وكان بعضُ الصالحينَ يُنادي بالليل على سورِ المدينة: الرحيلَ، الرحيلَ، فلمّا تُوفي فقد صوتَه أميرُ تلك المدينة، فسألَ عنه، فقيل له: إنه قد (^٦) مات فقال:
ما زالَ يلهجُ بالرحيل وذِكْرِهِ … حتى أناخَ ببابهِ الجمّالُ
فأصابَه مُتيقظًا ومُتشمّرًا (^٧) … ذا أُهْبةٍ لم تُلههِ الآمالُ
وكان يزيدُ الرّقاشيُّ (^٨) يقولُ لنفسه: ويْحَكَ يا يزيدُ مَنْ ذا (^٩) يُصلي عنك بعد الموتِ؟ مَن ذا (^١٠) يصومُ عنكَ بعد الموتِ؟ ذا (^١١) من يترضى عنك ربَّكَ بعد الموتِ؟ ثم يقول: أيّها النّاسُ ألا تبكون، وتنوحونَ على أنفسِكم باقي حياتكم؟ مَنِ المَوْتُ موعدُهُ، والقبر بيتُهُ، والثَّرى فِراشُهُ، والدُودُ أنيسه، وهو
_________________
(١) لم أقف على القائل.
(٢) في (ع): يأت.
(٣) لم أقف على القائل
(٤) هكذا في جميع النسخ، ولعل الكلمة (ادّكار) بالدال المشددة، والقاعدة في ذلك: إذا وقعت تاء الافتعال بعد الدال أو الزاي أو الذال قُلبت دالًا، قال ابن مالك في ألفيته: طَا تَا افْتِعَالٍ رُدّ إِثْرَ مُطبِقَ … في ادَّان وَازْدَدْ وَادَّكِرْ دَالًا بِقِي
(٥) (ولا مرض معلوم): لست في (ع).
(٦) في (ع، ظ): فقيل إنه مات.
(٧) في (ع): مشمِّرًا.
(٨) يزيد بن أبان الرقاشي بتخفيف القاف، أبو عمر البصري القاص، زاهد ضعيف، أسند عن أنس بن مالك، وروى عن الحسن وغيره، إلا أن التعبد شغله عن حفظ الحديث فأعرضت النقلة عما يروي، من الخامسة مات قبل العشرين، انظر: صفة الصفوة ٣/ ٢٨٩ - ٢٩٠ لأبي الفرج ابن الجوزي؛ تقريب التهذيب ص (١٠٧١) رقم ٧٧٣٣.
(٩) في (ظ): من ذا الذي.
(١٠) في: (ظ) من ذا الذي.
(١١) في (ظ): من ذا الذي.
[ ١ / ١٢٤ ]
مع هذا منتظر (^١) الفزعَ الأكبرَ، كيف يكونُ حالُه؟ ثم يبكي حتى يسقطَ مغشيًا عليه (^٢).
وقال التيمي (^٣): شيئان قطعا عني (^٤) لذاذةَ الدنيا: ذِكرُ الموتِ، وذكرُ الوقوف (^٥) بين يدي الله تعالى (^٦).
وكان عمرُ بنُ عبدِ العزيز (^٧) يجمعُ الفقهاءَ فيتذاكرون (^٨) الموتَ، والقيامةَ، والآخرةَ، فيبكون (^٩) حتى كأنّ بين أيديهم جنازةً (^١٠).
وقال أبو نعيم (^١١): كان الثوريُّ (^١٢) إذا ذكرَ الموتَ لا يُنتفعُ به أيامًا، فإن سُئل عن شيء قال: لا أَدْرِي لا أَدْرِي.
_________________
(١) في (ع، ظ) ينتظر.
(٢) ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب المختصرين ص (١٤٦)؛ وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٥١، وأبو محمد عبد الحق في العاقبة ص (٤٠).
(٣) عبد الأعلى التيمي، هكذا ذكره أبو نعيم في الحلية ولم يذكر له ترجمة؛ قال ابن حجر: روى عن أبيه وعمر وابن مسعود، وروى عنه أبو حنيفة ومسعر، ذكره البخاري في تاريخه فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، انظر: تعجيل المنفعة لابن حجر ص (٢٤٣) رقم ٦٠٢؛ والتاريخ الكبير للبخاري ٦/ ٧٢ رقم ١٧٤٦.
(٤) كلمة: (عني)، طمس في الأصل وتوضيحها من (ع، ظ).
(٥) في (الأصل): الموقف، وما أثبته من (ع، ظ، حلية الأولياء).
(٦) ذكره أبو نعيم في الحلية ٥/ ٨٨ - ٨٩ وأبو محمد عبد الحق في العاقبة ص (٣٩).
(٧) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، الإمام، الحافظ، العلّامة، المجتهد، العابد، الخليفة الزاهد الراشد، أشج بني أمية. توفي سنة ١٠١ هـ، انظر: سير أعلام النبلاء ٥/ ١١٤ - ١٤٨.
(٨) في (ع): فيذاكرون.
(٩) في (ع): ويبكون.
(١٠) ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين ٤/ ٤١٢؛ وأبو محمد عبد الحق في العاقبة ص (٤٠).
(١١) في الحلية ٦/ ٣٨٧.
(١٢) سفيان بن سعيد بن مسروق، أبو عبد الله الثوري الكوفي، المجتهد، شيخ الإسلام، إمام الحافظ، سيد العلماء العالمين في زمانه، مصنف كتاب الجامع. توفي سنة ١٢٦ هـ، انظر: سير أعلام النبلاء ٧/ ٢٢٩ - ٢٣٠.
[ ١ / ١٢٥ ]
وقال ابن أسباط (^١): ذُكِرَ عند النبي ﷺ رجلٌ فأُثْنِيَ عليه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "كيفَ ذِكْرُهُ للمؤتِ؟ فلم يُذكرُ (^٢) ذلك منه، فقال: ما هو كما تقولون" (^٣).
وقال اللفاف (^٤): من أكثرَ ذكر الموتِ أُكرمِ بثلاثة أشياءٍ: تعجيلُ التوبةِ، وقناعةُ القلبِ، ونشاطُ العبادة، ومَن نسي الموتَ عُوقب بثلاثةِ أشياءٍ: تسويفُ التوبةِ، وتركُ الرضى (^٥) بالكفافِ، والتكاسلُ في العبادة.
فتفكَّرْ يا مغرورُ في الموتِ وسكرتهِ، وصعوبةِ كأسِهِ، ومَرَارَتِهِ (^٦)، فيا للموتِ مِن وعدٍ ما أصدقَه ومِن حاكم ما أعدلَه، وكفى (^٧) بالموتِ مُقرِحًا للقلوب، ومُبكِيًا للعيون، ومُفرِّقًا للجماعاتِ، وهادمًا للذات، وقاطعًا للأمنيات، فهلَّا تفكرتَ يا ابن آدم [في] (^٨) يوم مصرعِكَ، وانتقالِكَ مِن موضعِكَ، وإذا (^٩) نُقلتَ مِن سعةٍ إلى ضيقٍ، وخانَكَ الصاحبُ والرفيقُ، وهجرَكَ الأخُ والصديقُ، وأخذتَ مِن فُرُشِكَ وغطائِكَ إلى عررٍ (^١٠)، وغطوك من بعدِ لين لحافِكَ بترابٍ ومدرٍ، فيا جامعَ المالِ، والمجتهدُ في البنيانِ ليس لك والله
_________________
(١) يوسف بن أسباط، أبو يعقوب الزاهد له مواعظ وحكم، روى عن الثوري وغيره، توفي سنة ١٩٥ هـ انظر: سير أعلام النبلاء ٩/ ١٦٩؛ ومشاهير علماء الأمصار لابن حبان البستي ص (١٨٦) رقم الترجمة ١٤٩٠.
(٢) في (ع): تذكر.
(٣) قال العراقي: رواه ابن أبي الدنيا في الموت من حديث أنس بإسنادٍ ضعيف، المغني ٢/ ١٢٠٢، رقم ٤٣٤٨.
(٤) هكذا ورد اسمه في جميع النسخ، وفي المطبوعة الدقاق، ويبدو أنه تصحيف؛ فقد أورد المناوي الأثر في فيض القدر ٢/ ٨٥، ونسبه إلى اللفاف، وبالرجوع إلى كتب التراجم العامة لم أقف على علم بهذا الاسم إلا ما جاء في ترجمة حاتم الأصم الواعظ أن راوي آثاره يسمى حامدًا اللفاف، انظر حلية الأولياء ٨/ ٦٠، ٦٤، ٦٦، ٧٥؛ والبيهقي في الزهد الكبير ٢/ ١٥٨، ٢١١.
(٥) في (ع): الترضي.
(٦) (ومرارته): ليست في (ع).
(٧) في (ع، ظ): فكفى.
(٨) ما بين المعقوفتين من (ع، ظ).
(٩) في (ع): إذ.
(١٠) العرر: الأرض المُسمّدة، انظر: الصحاح ٢/ ٧٤٤.
[ ١ / ١٢٦ ]
مِن مالِكَ إلا الأكفان، بل هي والله (^١) للخرابِ، والذهابِ، وجسمك للتراب والمآب، فأين الذي جمعته من المال؟ فهلّا أبعدك (^٢) من الأهوال؟ كلا، بل (^٣) تتركه إلى من لا يحمدك، وقدمت بأوزار على مَن لا يعذرك.
ولقد أحسنَ مَن قال (^٤) في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧] النصيب (^٥): الكفن، فهو وعظ متصل بما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾، أي: اطلب فيما أعطاك الله من الدنيا الدار الآخرة (^٦) وهي: الجنة، فإن حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة، لا في الطين والماء، والتجبر والبغي، فكأنهم قالوا: لا تنس (^٧) أنك تترك جميع (^٨) مالك إلا نصيبك الذي هو الكفن، ونحو هذا قول الشاعر (^٩):
نصيبك مما تجمع الدهر كله … رداءان تلوى فيهما وحنوط
وقال آخر (^١٠):
هي القناعة لا تبغي بها بدلًا … فيها النعيم وفيها راحة البدن
انظر لمن مَلك الدنيا بأجمعها … هل راح منها بغير القطن والكفن