قال العلماء (^٧) رحمة الله عليهم: ليس للقلوبِ أنفعُ من زيارةِ القبور، وخاصة إن كانت قاسيةً، فعلى أصحابها أن يُعالجوها بأربعة أمور:
أحدها: الإقلاعُ عما هي عليه، بحضور مجالسِ العلمِ بالوعظ، والتذكر (^٨)، والتخويفِ، والترغيبِ، وأخبارِ الصالحينَ؛ فإن ذلكَ ممَّا يليِّن القلوبَ، وينجعُ فيها.
الثاني: ذكرُ الموتِ، فيكثرُ مِن ذكر هادم (^٩) اللّذات، ومفرق الجماعات، ومؤتمِ البنينَ والبناتِ، كما تقدم (^١٠) في الباب قبلُ.
ويُروى (^١١) أن امرأةً شكت إلى عائشة ﵂ قساوةً في قلبِها (^١٢)، فقالت لها: أكثري ذكر الموتِ يرقُّ قلبُكِ، ففعلت ذلك، فرّق قلبُها، فجاءت تشكرُ عائشة (^١٣).
_________________
(١) (غدًا إذا ضمِّهُمُ المحشر): ساقطة من (ع).
(٢) (ليَعْلَمَنَّ النّاسُ أنّ التقى): ساقطة من (ع).
(٣) في ديوان أبي العتاهية (ما أحمقَ الإنسان).
(٤) في الديوان (في حفرةٍ).
(٥) في (الأصل): يفجر، والتصويب من (ع، ظ، وديوان أبي العتاهية).
(٦) ديوان أبي العتاهية ص (١٧٩)، وقد حذف المصنف بعض الأبيات.
(٧) لم أقف على القائل.
(٨) في (ع، ظ) التذكير.
(٩) في (ع، ظ): هاذم.
(١٠) ص (١٢٠).
(١١) في (ع، ظ): يروى.
(١٢) في (ع): قساوة قلبها.
(١٣) ذكر هذا الأثر الغزالي في إحياء علوم الدين ٤/ ٤١٢؛ وأبو محمد في العاقبة ص (٤١)؛ وذكره ابن رجب الحنبلي في رسالته ذم قسوة القلوب ص (٢٧ - ٢٨).
[ ١ / ١٣٢ ]
قال العلماءُ (^١): فذكْرُ الموتِ يردعُ عن المعاصي، ويلينُ القلبَ القاسي، ويذهبُ الفرحَ بالدنيا، ويهوِّن المصائبَ فيها.
الثالث: مشاهدةُ المحتضَرينَ؛ فإنّ في النظرِ إلى الميت، ومشاهدةِ سكراتِهِ، ونزعاتِهِ، وتأملِ صورتِهِ بعد مماته، ما يقطعُ عن النفوس لذاتِّها، ويطردُ (^٢) عن القلوبِ مسراتِها، ويمنعُ الأجفانَ من النوم، والأبدان من الراحة، ويبعثُ على العمل، ويزيدُ في الاجتهادِ والتعب (^٣).
ويُروى (^٤) أنّ الحسنَ البصريَّ دخل على مريضٍ يعوده فوجده في سكرات الموتِ، فنظر إلى كربه وشدّةِ ما نزل بِهِ، فرجع إلى أهلِهِ بغير اللّون الذي خرجَ به من عندهم، فقالوا له: الطعام يرحمك الله، فقال: يا أهلاه عليكُم بطعامِكم وشرابِكم، فوالله لقد رأيتُ مَصرعًا لا أزال أعملُ له حتى ألقاه (^٥).
فهذه ثلاثة أمورٍ ينبغي لمن قسا قلبُه، ولزمَه ذنبُهُ أن يستعينَ بها على دواء دائِهِ، ويستصرخَ بها (^٦) على فتنِ الشيطانِ وإغوائهِ (^٧)، فإن انتفع بها فذاك، وأن عظُم عليه رانُ القلب، واستحكَمت فيه دواعي الريب (^٨)، فزيارةُ قبور الموتى تبلغُ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأولى، والثاني، والثالث؛ ولذلك قال ﵇: "زوروا القبور فإنّها تذكرُ الموتَ والآخرة، وتزهدُ في الدنيا" (^٩)، فالأول: سماعٌ بالأذن، والثاني: إخبارٌ للقلب (^١٠) بما إليه المصيرُ، وقائمٌ له مقامَ التخويف، والتحذيرِ في مشاهدة (^١١) من احتُضِر (^١٢)، وزيارة قبر (^١٣) من مات
_________________
(١) القائل هو: أبو محمد عبد الحق في كتابه العاقبة ص (٤٠).
(٢) في (ع): يقطع.
(٣) في (الأصل): البعث، والتصويب من (ع، ظ).
(٤) (الواو) ليست في (ع، ظ).
(٥) ذكره الإمام أحمد في كتابه الزهد ص (٣٨٢)؛ وابن الجوزي في كتابه الحدائق في علم الحديث والزهديات ٣/ ٤٣٥؛ وأبو محمد عبد الحق في العاقبة ص (٤٢).
(٦) في (ع): به
(٧) في (ع، ظ): وأعوانه.
(٨) في (ع، ظ): الذنب.
(٩) تقدم تخريجه ص (١٢٩).
(١٠) في (ظ): بالقلب.
(١١) في (ع، ظ): وفي مشاهدة.
(١٢) في (الأصل): من احتضره، وما أثبته من (ع، ظ)؛ لأن ما بالأصل يحتاج إلى تقدير: احتضره الموت، ولا يستقيم المعنى بدون الهاء.
(١٣) (قبر): ليست في (ظ).
[ ١ / ١٣٣ ]
من المسلمين معاينةً؛ فلذلك كانا (^١) أبلغَ من الأول والثاني، قال ﷺ: ليس الخبرُ كالمعاينة" (^٢)، رواه ابن عباس ﵁، لم يروه أحدٌ غيره، إلا أن الاعتبار بحال المحتضرين غيرُ ممكن في كل الأوقات (^٣)، وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ساعةٍ من الساعات، وأما زيارةُ القبور: فوجودُها أسرع، والانتفاعُ بها أليقُ وأجدرُ، فينبغي لمن عزم على الزِّيارة أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبَه في إتيانها، ولا يكونُ حظُّه منها التطواف (^٤) على الأجداثِ فقط؛ فإنَّ هذه حالة تشاركه فيها بهيمةٌ (^٥)، ونعوذ بالله من ذلك، بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، أو نفعَ الميت بما يتلو (^٦) عنده من القرآن على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى (^٧)، ويجتنبُ المشيَ على المقابر، والجلوسَ عليها إذا دخل المقابر، ويخلعُ نعلَيه، كما جاء في الحديثِ (^٨)، ويسلم إذا دخل المقابر (^٩)، ويخاطبهم خطابَ الحاضرين فيقول: " السلامُ عليكُمْ دار قوم مؤمنين" (^١٠)، كذلك كان ﵊ يقولُ، وكنّى (^١١) بالدار عن عُمَّارِها وسكانها، ولذلك خاطبهم بالكاف والميم؛ لأنّ العرب تعبرُ بالمنزل عن أهله، وإذا وصل إلى قبرِ ميِّتِهِ الذي يعرفه سلّم (^١٢) عليه أيضًا، فيقول: عليك السلام.
_________________
(١) في (ع): كان.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٢١٥، ح ١٨٤٢؛ والحاكم في المستدرك ٢/ ٣٥١، ح ٣٢٥٠ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه؛ وابن حبان في صحيحه بترتيب ابن بلبان ١٤/ ٩٦، ح ٦٢١٣، كلهم من حديث ابن عباس ﵄، قال الألباني: صحيح، انظر: صحيح الجامع الصغير ٥/ ٨٧، ح ٥٢٥٠.
(٣) في (ع): وقت.
(٤) في (ع): التطوف.
(٥) كلمة (بهيمة) جاءت نكرة في جميع النسخ.
(٦) في (ع، ظ): يتلوه.
(٧) سيأتي التعليق إن شاء الله على هذه المسألة في باب ما جاء في قراءة القرآن عند القبر ص (٢٧٥ - ٢٧٧).
(٨) في (ظ): أحاديث. لعل المصنف يشير إلى الحديث الذي أخرجه النسائي في المجتبى ٤/ ٩٦، ح ٢٠٤٨؛ وأبو داود ٣/ ٢١٧، ح ٣٢٣٠ وفيه: " فرأى رجلًا يمشي بين القبور في نعليه، فقال: يا صاحب السبتيتين ألقهما".
(٩) جملة (ويخلعُ نعلَيه، كما جاء في الحديث، ويسلم إذا دخل المقابر): ليست في (ع).
(١٠) جزء من حديث عائشة ﵂ أخرجه مسلم ١/ ٢١٨، ح ٢٤٩.
(١١) في (ع): ويكني.
(١٢) في (ع): يسلم.
[ ١ / ١٣٤ ]
روى الترمذيُّ في جامعِهِ (^١): "أَنَّ رجلًا دخل على النبي ﷺ فقال: عليك السلام، فقال ﷺ: لا تقل عليك السلام، فإنَّ (^٢) عليك (^٣) السلام تحيَّة الميت"، وأتاه من تلقاءِ وجهِهِ في زيارته كمخاطبتهِ حيًّا، ولو (^٤) خاطبه حيًّا لكان الأدبُ استقباله بوجهه فكذلك ها هنا (^٥)، ثم يعتبر (^٦) بمن صار تحت الترابِ، وانقطعَ عن الأهل والأحباب، بعد أن قاد الجيوشَ والعساكر ونافسَ الأصحاب والعشائرَ، وجمعَ الأموال والذخائر، فجاءه الموتُ في وقتٍ لم يحتسبه، وهولٍ لم يرتقبه، فليتأمل الزائرُ حال من مضى من إخوانه، ودرج من أقرانِهِ الذين بلغوا الآمال، وجمعوا الأموال، كيف انقطعت آمالُهم، ولم تغنِ عنهم أموالهم، ومحا الترابُ محاسنَ وجوههِم، وافترقت في القبور أجزاؤهم، وترمّل بعدهم نساؤهم، وشمل ذلُّ اليتم أولادَهم، [و] (^٧) اقتسم غيرهم طريقهم وبلادهم، ويتذكر ترددهم في (^٨) المآرب، وحرصهم على نيل المطالب، وانخداعَهم لمؤاتاة (^٩) الأسباب، وركونَهم إلى الصحةِ والشباب، وليعلم أن ميله إلى اللهو واللعب كميلهم، وغفلته عمّا بين يديه من الموتِ الفظيع والهلاكِ السريع كغفلتهم، وأنّه لا بدّ صائرٌ إلى مصيرهم، وليحضر بقلبه ذكر من كان مترددًا في أغراضه، وكيف تهدمت رجلاه، وكان يتلذذُ بالنظر إلى ما خُوّل،
_________________
(١) ٥/ ٧١، ح ٢٧٢ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح؛ وأخرجه النسائي في السنن الكبرى ٦/ ٨٧، ح ١٠١٤٩، و٦/ ٨٨، ح ١٠١٥٠؛ وأبو داود ٤/ ٥٦، ح ٤٠٨٤؛ والبيهقي في السنن الكبرى ١٠/ ٢٣٦؛ والطبراني في المعجم الكبير ٧/ ٦٦، ح ٦٣٨٩، قال الألباني: صحيح، صحيح الترمذي له ٢/ ٣٥١، ح ٢١٩٠.
(٢) في (سنن الترمذي): إن.
(٣) في (ع): ذلك.
(٤) في (ع): إذ لو.
(٥) الذي يظهر أن هذا القياس مع الفارق، فالميت ليس كالحيّ من كل وجه، فعدم استقبال الأحياء بالوجه حال الخطاب قد يؤدي إلى الشحناء والبغضاء بين المسلمين وهو أمر يطلب الشارع تجنبه بخلاف الميت.
(٦) في (ع): تعتبر.
(٧) ما بين المعقوفتين من (ع، ظ).
(٨) في (ظ): إلى.
(٩) في (الأصل): مؤتات، والتصريب من (ع، ظ) ومؤاتاة الأسباب: موافقتها ومطاوعتها، انظر: لسان العرب ١٤/ ١٧.
[ ١ / ١٣٥ ]
وقد سالت عيناه، ويصول (^١) ببلاغةِ نطقِهِ، وقد أكل الدُودُ لسانَه، ويضحك لمؤاتاة دهره، وقد أبلى الترابُ أسنانَه، وليتحققْ أنّ حالَه كحالِهِ (^٢)، ومآله كمآله (^٣)، وعند هذا التذكر، والاعتبار، تزولُ (^٤) عنه جميعُ الأغيار الدّنيويّةِ، ويقبلُ على الأعمالِ الأخرويّةِ، فيزهدُ في دنياه (^٥)، ويُقبل على طاعةِ مولاه، ويلينُ قلبُه، وتخشعُ جوارحُهُ، والله أعلم.