جاء في هذا الباب حديث يُعارضُ حدِيثَ هذا الباب، وهو ما خَرّجه أَبُو بَكْرٍ أحمد بن علي (^٦) الخطِيب (^٧) في كتاب السابق واللاحِقِ (^٨)، وأبو حَفْصٍ عمرُ (^٩) بن شاهينَ (^١٠) في الناسخ والمنسوخ له (^١١) في الحديث (^١٢) بإسناديهِما
_________________
(١) في (ع): يقول.
(٢) في (ع): كحالهم.
(٣) في (ع): كمالهم.
(٤) في (ع): يزول.
(٥) في (ظ): الدنيا.
(٦) (أحمد بن علي): ليست في (ع، ظ).
(٧) الإمام العلامة، المفتي، الحافظ، الناقد، محدث الوقت، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، خاتمة الحفاظ، صاحب التصانيف منها: التاريخ، شرف أصحاب الحديث، السابق واللاحق وغير ذلك. توفي سنة ٤٦٣ هـ، سير أعلام النبلاء ١٨/ ٢٧٠ - ٢٩٧.
(٨) لا يوجد هذا الحديث في النسخة المطبوعة من السابق واللاحق، قال محقق الكتاب: هناك بعض النصوص منقولة من السابق واللاحق ولم أجدها في النسخة التي بين يدي وقد نص ناقلوها إنها من السابق واللاحق، ولم أستطع أن أعرف الموضع الذي سقطت منه بالتحديد، فأحببت أن أجعلها في ملحق للكتاب، وذكر منها: حديث عائشة في حجة الوداع المذكور. انظر: السابق واللاحق للخطيب البغدادي (٣٧٧ - ٣٧٨).
(٩) أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان المعروف بابن شاهين، الشيخ الصدوق الحافظ، العالم صاحب التفسير الكبير، قال الخطيب البغداد: قال محمد بن عمر الداودي: رأيته يومًا اجتمع مع الحسن الدارقطني فلم ينطق بكلمة هيبة وخوفًا أن يخطئ بحضرة أبي الحسن، وقال: سمعت ابن شاهين يقول: أنا أكتب ولا أعارض، وكذا حكى عنه البرقاني، قال البرقاني: فلذلك لم أستكثر زهدًا فيه توفي سنة ٣٨٥ هـ، انظر: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ١١/ ٢٦٨؛ سير أعلام النبلاء ١٦/ ٤٣١.
(١٠) في (الأصل): عمر بن الشاهين، والتصويب من (ع، ظ، مصدر الترجمة).
(١١) ناسخ الحديث ومنسوخه لعمر بن شاهين ص (٤٨٩ - ٤٩٠).
(١٢) في (ظ): في هذا الحديث.
[ ١ / ١٣٦ ]
عن عائشة ﵂ قالت: حَجَّ بنا رسول الله ﷺ حجةَ الوَدَاعِ فمرّ بي على عَقَبَةِ الحَجُونِ (^١) وهو بَاكٍ، حَزِينٌ، مُغْتَمٌّ، فبكيت لِبُكَاء رَسُول الله ﷺ ثم إنّه طَفَرَ (^٢) فنزل فقال:
يا حُمَيرَاء استمسكي، فاستَنَدتُ إلى جنب البعِير، فَمَكَثَ عني طويلًا (^٣) ثم (^٤) عاد إليّ وهو فَرحٌ متبسِّمٌ (^٥)، فقلت [له] (^٦): بأبي أنت وأمِّي يا رسول الله نَزَلْتَ مِن عندي وأنتَ باكٍ حَزِينٌ مُغْتَم، فبكَيْتُ لبُكائِكَ يا رسول الله، ثم إِنَّكَ عُدتَ إليَّ وأنتَ فَرِح مُتَبسِّم، فعَمّاذا يا رسول الله؟ فقال: ذهبت بِقبر أُمِّي آمِنَة فَسَأَلْتُ الله تعالى (^٧) أن يحييها، فأحياها، فآمنت بي، أو قال: فَآمَنَتْ (^٨)، ورَدَّها الله ﷿"، لفظ الخطيب (^٩).
قلت (^١٠): وقد ذكر السهيلي (^١١) في رَوضه (^١٢) الأُنُف له (^١٣) (^١٤) بإسنادٍ فيه
_________________
(١) جبل بأعلى مكة، وقيل مكان من البيت على ميل ونصف، انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي ٢/ ٢٢٥.
(٢) الطَفْرةُ: الوثبة، الصحاح ٢/ ٧٢٦.
(٣) في (ع، ظ): طويلًا مليًا.
(٤) في (ع، ظ): ثم إنه.
(٥) في (ع): فرحًا متبسمًا.
(٦) ما بين المعقوفتين من (ع، ظ، م).
(٧) وفي (ع): الله ربي.
(٨) في (ع، ظ): آمنت.
(٩) قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع بلا شك، والذي وضعه قليل العلم، عديم الفهم إذ لو كان له علم لعلّمه أن من مات كافرًا لا ينفعه أن يؤمن بعد الرجعة، لا بل لو آمن عند المعاينة لم ينتفع، ويكفي في رد هذا الحديث قوله تعالى: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ وقوله في الصحيح: "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي"، وقد كان أقوام يضعون أحاديث ويدسونها في كتب المغفلين، فيرويها أولئك، وقد قال شيخنا أبو الفضل بن ناصر: هذا حديث موضوع، وأم رسول الله ﷺ ماتت بالأبواء بين مكة والمدينة ودفنت هناك وليس بالحجون. ا. هـ، الموضوعات من الأحاديث المرفوعات ٢/ ١٢ - ١٣، ح ٥٤٦.
(١٠) (قلت): ليست في (ع، ظ)، والأصل يتوافق مع (م).
(١١) الحافظ العلّامة أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله الأندلسي، الضرير، صاحب الروض الأنف في السيرة النبوية، والإعلام بما أبهم في القرآن من الأعلام، وغيرها، توفي سنة ٥٨١ هـ، تذكرة الحفاظ ٤/ ١٣٤٨ - ١٣٤٩.
(١٢) في (الأصل ع، ظ) بتنكير كلمة (روض)، والتصويب من مسودة المؤلف (م).
(١٣) (له): ليست في (ع، ظ).
(١٤) قال السهيلي: ورُوِي حديث غريب لعله أن يصح وجدته بخط جدي أبي عمران أحمد بن أبي الحسن القاضي بسند فيه مجهولون، ذكر أنه نقله من كتاب، انتسخ من =
[ ١ / ١٣٧ ]
مجهولون: "أن الله تعالى أحيا له أباه وأمَّه وآمنا به".
قال المؤلف ﵁: ولا تعارُضَ، والحمد لله لأن إحياءهما متأخر عن النهي بالاستغفارِ (^١) لهم (^٢) بدليل حديث عائشة ﵂ أنّ ذلك كان في حجة الوداع، وكذلك جَعَلَه ابن شاهين ناسخًا لما ذُكرَ من الأخبار (^٣) (^٤).
_________________
(١) = كتاب مُعَوَّذ بن داود بن معوذ الزاهد يرفعه إلى ابن أبي الزناد عن عروة عن عائشة أخبرت أن رسول الله ﷺ سأل ربه أن يحيي أبويه، فأحياهما له، وآمنا به، ثم أماتهما، انظر: الروض الأنف لأبي القاسم السهيلي ١/ ١٩٤.
(٢) في (ع): عن الاستغفار.
(٣) في (ع): لهما.
(٤) تقدم توثيق نص ابن شاهين ص (١٣٦).
(٥) سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: هل صح عن النبي ﷺ أن الله ﵎ أحيى له أبويه حتى أسلما على يديه ثم ماتا بعد ذلك؟. فأجاب: لم يصح ذلك عن أحد من أهل الحديث، بل أهل المعرفة متفقون على أن ذلك كذب مختلق، وإن كان قد روى في ذلك أبو بكر - يعني الخطيب البغدادي في كتابه السابق واللاحق، وذكره أبو القاسم السهيلي في شرح السيرة بإسناد فيه مجاهيل، وذكره أبو عبد الله القرطبي في التذكرة، وأمثال هذه المواضع، فلا نزاع بين أهل المعرفة أنه من أظهر الموضوعات كذبًا كما نص عليه أهل العلم، وليس ذلك في الكتب المعتمدة في الحديث: لا في الصحيح ولا في السنن ولا في المسانيد ونحو ذلك من كتب الحديث المعروفة، ولا ذكره أهل كتب المغازي والتفسير، وإن كانوا قد يروون الضعيف مع الصحيح؛ لأن ظهور كذب ذلك لا يخفى على متدين، فإن مثل هذا لو وقع لكان مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله فإنه من أعظم الأمور خرقًا للعادة من وجهين: أ - من جهة إحياء الموتى. ب - ومن جهة الإيمان بعد الموت. فكان نقل مثل هذا أولى من نقل غيره، فلما لم يروه أحد من الثقات عُلم أنه كذب. والخطيب البغدادي هو في كتاب السابق واللاحق مقصوده أن يذكر من تقدم ومن تأخر من المحدثين عن شخص واحد سواء كان الذي يروونه صدقًا أو كذبًا، وابن شاهين يروي الغث والسمين، والسهيلي إنما ذكر ذلك بإسناد فيه مجاهيل. وهذا بخلاف الكتاب والسنة الصحيحة والاتفاق، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ =
[ ١ / ١٣٨ ]
قلت (^١): ويُبيِّنُ حديث مسلم (^٢) عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله أين أَبي؟ قال: "في النار، فَلمَّا قَفَّى دَعاهُ، فقال: إِنَّ أَبي وأباك في النار". وحديث سلمة بن يزيد الجعفي وفيه: "فلما رأى ما دخل علينا قال: وأمِّي مع أمَّكما" (^٣)
_________________
(١) = فبين الله تعالى أنه لا توبة لمن مات كافرًا. وفي صحيح مسلم قوله ﵇: "إن أبي وأباك في النار". وفي صحيح مسلم أيضًا: "واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي" - الحديث - وفي الحديث الذي في المسند وغيره قال: "إن أمي مع أمك في النار". فإن قيل: هذا في عام الفتح والإحياء كان بعد ذلك في حجة الوداع؛ ولهذا ذكر ذلك من ذكره وبهذا اعتذر صاحب التذكرة - أي القرطبي -، وهذا باطل من وجوه: الأول: أن الخبر عما كان ويكون لا يدخله نسخ كقوله في أبي لهب: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾، وكقوله في الوليد ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾، وكذلك في "إن أبي وأباك في النار"، و"إن أمي مع أمك في النار"، وهذا ليس خبر عن نار يخرج منها صاحبها كأهل الكبائر؛ لأنه لو كان كذلك لجاز الاستغفار لهما، ولو كان قد سبق في علم الله إيمانهما لم ينهه عن ذلك، فإن الأعمال بالخواتيم، ومن مات مؤمنًا فإن الله يغفر له فلا يكون الاستغفار له ممتنعًا. الثاني: أن النبي ﷺ زار قبر أمه، وأما أبوه فلم يزره إذ كان مدفونًا بالشام في غير طريقه، فكيف يقال: أحيى له؟! الثالث: أنهما لو كانا مؤمنين إيمانًا ينفع كانا أحق بالشهرة والذكر من عميه: حمزة، والعباس، وهذا أبعد مما يقوله الجهال من الرافضة ونحوهم من أن أبا طالب آمن، هذا باطل لما في الصحيح، وغيره، فلما كان من العلم المتواتر المستفيض بين الأمة خلفًا عن سلف أنه لم يُذكر أبو طالب ولا أبواه في جملة من يذكر من أهله المؤمنين، كحمزة، والعباس، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين ﵁، كان هذا من أبين الأدلة على أن ذلك كذب. الرابع: إن الله تعالى قال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ - إلى قوله - لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. فأمر بالتأسي بإبراهيم والذين معه إلا في وعد إبراهيم لأبيه بالاستغفار، وأخبر أنه لما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه والله أعلم. انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ٤/ ٣٢٤ - ٣٢٧ باختصار.
(٢) (قلت): ليست في (ع، ظ).
(٣) في صحيحه ١/ ١٩١، ح ٢٠٣.
(٤) جزء من حديث أخرجه أحمد في المسند ١/ ٣٩٨، ح ٣٧٨٧؛ والطبراني في المعجم الكبير ١٠/ ٨٠، ح ١٠٠١؛ والحاكم في المستدرك ٢/ ٣٩٦، ح ٣٣٨٥، كلهم من حديث عبد الله بن مسعود ولم أقف عليه من حديث سلمة بن يزيد الجعفي، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٣٦٢: رواه أحمد والبزار والطبراني وفي أسانيدهم كلهم عثمان بن عمير وهو ضعيف.
[ ١ / ١٣٩ ]
على ما يأتي (^١). هذا إن صح إحياؤهما (^٢)، وقد سمعت (^٣) أنَّ الله تعالى أحيى له عمه أبا طالب، وآمن به، والله (^٤) أعلم. وقد قيل: إنَّ الحديث في إيمان أمِّه وأبيه موضوع يردَّه القرآنُ العظيم، والإجماعُ، قال الله تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨] (^٥)، فمن مات كافرًا (^٦)، لم ينفعْه الإيمان بعد الرجعة، بل لو آمن عند المعاينة لم ينتفع، فكيف بعد الإعادة.
وفي التفسير أنه ﵇ قال: "ليت شِعْرِي ما فعل أبواي؟ فنزل: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] (^٧).
قال المؤلف: ذكرَه الحافظ أبو الخطاب عمرُ بنُ دِحْية (^٨)، وفيه نظرٌ؛ وذلك أن فضائل النبي ﷺ وخصائصه لم تزل تتوالى، وتتابع إلى حين مماته؛ فيكون هذا ممَّا فضَّله الله تعالى وأكرمَه به، وليس إحياؤهما، وإيمانُهما به (^٩)
_________________
(١) (على ما يأتي): ليست في (ع، ظ).
(٢) تعليق إحياء والدي النبي على صحة الحديث، ثم تقرير ذلك الإحياء بعد عدة أسطر، يدل على أن المسألة لم تتحرر عند المصنف.
(٣) مسائل الاعتقاد تحتاج إلى أدلة أقوى من مجرد السماعات والبلاغات.
(٤) في (ظ): فالله.
(٥) جاء في هذا الموضع في (ع، ظ): وقال عز من قائل: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾.
(٦) في (ظ): فمن مات وهو كافر.
(٧) ذكره ابن جرير في تفسيره ١/ ٥٦٣ من طريق محمد بن كعب القرظي وذكر له طريقًا آخر من طريق داود بن أبي عاصم، ط. دار الكتب العلمية - بيروت، قال الشيخ أحمد محمد شاكر: وهما إسنادان ضعيفان، انظر: تفسير الطبري ٢/ ٥٥٨ - ٥٥٩ رقم ١٨٧٥، ١٨٧٦. تحقيق محمود محمد شاكر، تخريج أحمد محمد شاكر ط. الثانية - دار المعارف بمصر، وضعفه السخاوي في الفتاوى الحديثية له ص (٣١٠).
(٨) عمر بن حسن بن علي أبو الخطاب الكلبي، توفي سنة ٦٣٣ هـ، سير أعلام النبلاء ٢٢/ ٣٨٩.
(٩) (به): ليست في (ع).
[ ١ / ١٤٠ ]
ممتنع (^١) عقلًا، ولا شرعًا (^٢)، فقد ورد في الكتاب إحياءُ قتيلِ بني إسرائيل، وإخبارُهُ بقاتلِهِ، وكان عيسى ﵇ يُحيي الموتى، وكذلك نبينا محمدٌ ﵊ أحيى الله تعالى على يديه (^٣) جماعةً (^٤) من الموتى (^٥)، وإذا ثبت [هذا] (^٦) فما يمنعُ من إيمانهما بعد إحيائهما زيادة في كرامتِهِ وفضيلتهِ، مع ما وردَ من الخبر (^٧) في ذلك، ويكون (^٨) ذلك خصوصًا فيمن مات كافرًا.
وقوله: فيمن (^٩) مات كافرًا إلى آخر كلامه فمردودٌ، لما رُوي في الخبر أنّ الله تعالى ردَّ الشمس على نبيِّهِ عليه أفضل الصلاة والسلام بعد مغيبها، ذكره
_________________
(١) هكذا في جميع النسخ عدا نسخة (م) التي يوجد فيها جزء من هذا الفصل، وليس فيه هذه الجملة، والذي يظهر لي أن الصواب: ممتنعًا، لأن الكلمة في موضع نصب خبر لليس، والتقدير: ليس إحياؤهما .. ممتنعًا.
(٢) هذا احتجاج من المصنف ﵀ بقدرة الله تعالى على إحياء والدي النبي ﷺ، والاحتجاج بالقدرة وحدها من غير دليل صحيح يدل على حدوث ما قدره الله تعالى لا يليق في هذا المقام؛ لأن الله ﷿ لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولو ذهبنا نطرد مثل هذا الاستدلال لقلنا: إن إحياء عبد المطلب جد النبي ﷺ الذي تكفل به وربَّاه - والجد: أب - ليس بممتنع على قدرة الله تعالى، فهل نبني على ذلك أن الله تعالى قد أحيى عبد المطلب وآمن بالنبي ﷺ؟! إذن فالفيصل والمعتبر هو التحاكم إلى أدلة الكتاب وصحيح السنة فعليهما يبني المسلم ما يعتقده.
(٣) في (ظ): أحيى الله عليه.
(٤) أورد السيوطي بعض الآثار في هذا المعنى في كتابه: الخصائص الكبرى ٢/ ٢٨٠ جمعها من كتب الدلائل وأعلام النبوة، ولم أقف على شيء يصح منها.
(٥) هذا من الاستدلال بالعموم وبقدرة الله تعالى غير محل النزاع، فلا أحد ينازع في قدرة الله تعالى، فالمسألة هنا حادثة عين، هل حدث الإحياء لوالدي النبي ﷺ أم لم يحدث؟ فإن حدث الإحياء بعد الموت فنحتاج إلى دليل يثبت صحة تلك الحادثة وإلا فكل مسلم يعتقد أن الله تعالى قادر على إحياء الموتى وبعثهم من قبورهم للحساب وغيره متى ما شاء ﷾.
(٦) ما بين المعقوفتين من (ع، ظ).
(٧) في (ع): وفضيلة ما ورد من الخبر.
(٨) في (ع): فيكون.
(٩) في (ع، ظ): فمن.
[ ١ / ١٤١ ]
أبو جعفر الطحاوي (^١) وقال: إنَّه حديثٌ ثابتٌ (^٢)، فلو لم يكن رجوع الشمس نافعًا، وأنه لا يتجدَّد الوقتُ لما ردّها عليه، وكذلك (^٣) يكون إحياءُ أبوي النبيِّ ﷺ نافعًا لإيمانهما وتصديقِهِما بالنبي ﷺ، وقد قبل الله إيمان قومِ يونس، وتوبتِهِم بعد (^٤) تلبُّسِهِم بالعذابِ (^٥) فيما ذُكِرَ في بعض الأقوالِ، وهو ظاهر القرآن.
وأما الجوابُ عن الآيةِ: فيكونُ ذلك قبلَ إيمانِهِما، وكونهما في العذاب (^٦)، والله بغيبِهِ أعلمُ وأحكمُ.
_________________
(١) الإمام العلامة الحافظ الكبير أبو جعفر أحمد محمد بن بن سلامة المصري الطحاوي الحنفي، صاحب التصانيف منها: أحكام القرآن، ومعاني الآثار، واختلاف العلماء - وله مصنف في عقيدة السلف الصالح شرحه ابن أبي العز الحنفي - مات سنة ٣٢١ هـ، سير أعلام النبلاء ١٥/ ٢٧ - ٢٩.
(٢) ذكر في شرح مشكل الآثار له حديثين ٣/ ٩٢، ح ١٠٦٧، ١٠٦٨، وضعفهما شعيب الأرنؤوط في تعليقه على الكتاب.
(٣) في (ع): فكذلك.
(٤) في (ع، ظ): مع تلبسهم.
(٥) قياس والدي النبي ﷺ على قوم يونس ﵇ قياس مع الفارق لأمرين: الأول: أن قوم يونس ﵇ كانوا أحياءً لما تلبسهم العذاب بخلاف والدي النبي ﷺ فقد كانا ميتين. الثاني: أنه جاء نص الكتاب في استثناء قوم يونس ﵇ من بين أهل القرى الذين لم ينفعهم إيمانهم بعد تلبيسهم بالعذاب، قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾ [يونس: ٩٨]، فاستثنى الله قوم يونس من أهل القرى الذين لم ينفعهم إيمانهم بعد نزول العذاب بساحتهم وأخرجهم منهم، وأخبر خلقه أنه نفعهم إيمانهم خاصة من بين سائر الأمم غيرهم. . ا. هـ. ١١/ ١٧٠. ولم يأت نص من الكتاب ولا صحيح السنة في استثناء والدي النبي ﷺ بعد استحقاقهما للعذاب. ولا يجوز للمسلم أن يعترض على الله جل وعلا في عدم إيمان والدي النبي ﷺ، فالله تعالى بغيبه أعلم وأحكم، يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، فقد أضل من قبل والد إبراهيم ﵇، وابن نوح ﵇، وهدى امرأة فرعون، قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣].
(٦) هذا الجواب عن الآية لا يستقيم؛؛ لأنه مبني على إيمانهما، وإيمانهما مبني على إحيائهما، وكلاهما لم يثبت.
[ ١ / ١٤٢ ]