هذه الأحاديث تشتملُ على فقهٍ عظيمٍ وهو: جواز زيارةِ القبور للرِّجال والنساء (^١١)، والسلامُ عليها، وردُّ الميت السلام (^١٢) على من يسلِّم عليه، وجواز بكاء النساءِ عند القبرِ، ولو كانَ بكاؤهنَّ وزيارتهنَّ حرامًا؛ لنهى ﷺ المرأةَ ولزجَرها زجْرًا يزجرُ مثله من أتى محرَّمًا، وارتكبَ منهيًّا (^١٣)، وما رُوي من النهي للنساء عن زيارة القبورِ فغير صحيح.
_________________
(١) في صحيحه ٢/ ٦٦٩، ح ٩٧٤.
(٢) تأخرت عبارة (يا رسول الله) في صحيح مسلم إلى بعد كلمة: لهم.
(٣) جاء في هذا الموضع في (الأصل) و(ظ) عبارة: (كيف أقول إذا دخلت المقابر)، وليست في صحيح مسلم، ومثل هذا الإدراج لكلمة (المقابر) له شأنه الكبير بحيث يؤثر في الاستدلال بالحديث فيكون إقرارًا في محل النزاع في زيارة النساء للقبور.
(٤) (المؤمنينَ و): ليست في (ظ)، الأصل متوافق مع صحيح مسلم.
(٥) (ويرحم الله): ليست في (ظ)، الأصل متوافق مع صحيح مسلم.
(٦) (منا): ليست في (ظ)، الأصل متوافق مع صحيح مسلم.
(٧) في (الأصل): والمتأخرين، وما أثبته في (ظ، وصحيح مسلم).
(٨) في (صحيح مسلم): للاحقون.
(٩) في صحيحه ٢/ ٦٧١، ح ٩٧٥.
(١٠) البخاري ١/ ٤٢٢، ح ١١٩٤؛ ومسلم ٢/ ٦٣٧، ح ٩٢٦، كلاهما من حديث أنس بن مالك ﵁.
(١١) تقدم الكلام ص (١٣٠) على زيارة النساء للقبور.
(١٢) (السلام): ليست في (ظ).
(١٣) معلومٌ أن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضدِهِ، فلما أمر النبي ﷺ المرأة التي تبكي عند القبر بتقوى الله والصبر فقد نهاها عن بكائها عند القبر.
[ ١ / ١٤٤ ]
والصحيحُ: ما ذكرتُ لكَ مِن الإباحة (^١) إِلَّا أَنَّ عمل النساء في خروجهنَّ ممَّا لا يجوز لهنَّ من تبرُّج، أو كلامٍ، أو غيره، فذلك المنهي عنه، وقد ذكرتُ لك في البابِ قبلُ الفرق بين المُتجَالّةِ (^٢) والشابَّةِ، فتأمَّله، وقد أُبيح لكَ أن تبكي عند (^٣) قبرِ ميِّتك حُزْنًا عليه، أو رحمةً له مما بين يديهِ، كما أُبيح لك البكاء (^٤) عند موته.
والبكاءُ عند العرب يكونُ البُكاء المعروفُ، وتكون النياحةُ، وقد يكونُ معها الصياحُ، وضرب الخدود (^٥)، وشقُّ الجيوب، وهذا محرمٌ بإجماع العلماء، وهو الذي ورد فيه الوعيدُ مِن قوله ﵇: "أنا بريءٌ ممَّن حَلقَ (^٦)، وسَلَقَ (^٧)، وخَرَقَ (^٨) "، خرَّجه مسلم (^٩).
وأمَّا البُكاءُ مِن غيرِ نياحةٍ، فقد ورد فيه الإباحةُ عند القبر، وعند الموتِ وهو بكاءُ الرأفةِ والرحمةِ التي لا يكاد يخلو منها إنسانٌ، وقد بكى النبيُّ ﷺ لما مات ابنُه إبراهيم (^١٠).
وقال عمرُ: دعهنَّ يبكين على أبي سليمان (^١١) ما لم يكن نقعٌ، أو لَقْلَقَةٌ (^١٢).
النَّقْعُ: ارتفاع الصوتِ.
_________________
(١) تم التعليق على هذه المسألة ص (١٣٠) وبيان أن الراجح منع النساء من زيارة القبور.
(٢) المتجالّة: المرأة إذا أسنت - العجوز -، وجَلَّ الرجلُ أيضًا إذا أسن. انظر: الصحيح ٥/ ١٦٦٠.
(٣) في (ظ): على.
(٤) (البكاء): ليست في (ظ).
(٥) في (ظ): الخدِّ.
(٦) أي حلق رأسه عند المصيبة إذا حلت به، النهاية في غريب الحديث ١/ ٤٢٧.
(٧) سلق: أي رفع صوته عند المصيبة النهاية في غريب الحديث ٢/ ٣٩١.
(٨) أي مزق ثوبه عند المصيبة.
(٩) في صحيحه ١/ ١٠٠، ح ١٠٤.
(١٠) إشارة إلى الحديث الذي فيه قول النبي ﷺ: "وإنا بك لمحزونون" أخرجه البخاري ١/ ٤٣٩، ح ١٢٤١؛ ومسلم ٤/ ١٨٠٧، ح ٢٣١٥.
(١١) أبو سليمان هو خالد بن الوليد ﵁.
(١٢) أورد البخاري هذا الأثر في باب ما يكره من النياحة على الميت من كتاب الجنائز ٣/ ١٦٠.
[ ١ / ١٤٥ ]
واللقْلَقةُ (^١): تتابعُ ذلك، وقِيلَ النَقْعُ: وضعُ التُرابِ على الرأس (^٢)، والله أعلم.