بعد وصول هذه النسخة حاولت البحث عن أدلة وقرائن من المخطوطة أطمئن بها إلى النسخة بخط مصنفها فكان من ذلك ما يلي:
أولًا: جاء على الصفحة الأخيرة منها قول المصنف بعد نهاية الكتاب: "نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يتوفانا مسلمين وأن يلحقنا بالشهداء والصالحين، وأن يجعلنا من عباده المتقين، وأن يجعل ما كتبناه خالصًا لوجهه بمنه وكرمه، وأن ينفعنا به ووالدينا ومن أراده وقرأه آمين آمين إنه سميع الدعاء قريب مجيب، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وآله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين، ورحم الله عبدًا دعا بالمغفرة والتوبة آمين، بخط مصنفه العبد الفقير إلى ربه محمد بن أحمد، غفر الله له ورحمه آمين: ناولتُ جميعَ هذا الكتاب ضياء الدين أحمد بن أبي السعود بن أبي المعالي البغدادي المعروف بالسطريجي، وأذنت له أن يناوله من يشاء، قاله مصنفه محمد بن أحمد بتاريخ الثامن والعشرين لشهر شعبان سنة ست وخمسين وستمائة، حامدًا لله تعالى ومصليًا على نبيه محمد المصطفى"، فمن النص السابق يتبين ما يلي:
١ - تشابه العبارات بين مقدمة المؤلف والخاتمة التي بين فيها أن ما كُتِبَ بخط المصنف حيث جاء في مقدمة المؤلف: "جعله الله خالصًا لوجهه بمنه وكرمه"، وجاء في الخاتمة: "وأن يجعل ما كتبناه خالصًا لوجهه بمنه وكرمه". ومن ذلك أيضًا ما جاء في مقدمة المؤلف: "قال العبد الفقير إلى ربه المتنصل من ذنبه الراجي رحمة ربه محمد بن أحمد. ."، وهذا مشابه لما في الخاتمة حيث قال: "بخط مصنفه العبد الفقير إلى ربه محمد بن أحمد، غفر الله له ورحمه آمين". ومثل هذا التشابه يبعد أن يكون من كاتب غير المصنف.
[ ١ / ٨١ ]
٢ - جاء أيضًا في الخاتمة: "وأن ينفعنا به ووالدينا ومن أراده وقرأه آمين آمين إنه سميع الدعاء قريب مجيب"، ومثل هذا الدعاء لا يكون من مجرد ناسخ عادي؛ لأن من قرأ كتابًا فأراده ورغب فيه وأحبه لا تتجه إليه عادة دعوة الناسخ العادي، بل الناسخ العادي يطلب ممن يقرأ الكتاب أن يدعو له، ولا يكون الدعاء للقارئ عادة إلا من مؤلفه.
٣ - جاء أيضًا في خاتمة هذه النسخة ما يلي: "بخط مصنفه العبد الفقير إلى ربه محمد بن أحمد، وجاء أيضًا في الخاتمة: "قاله مصنفه محمد بن أحمد، فمثل هذا التنصيص بأنه بخط مصنفه، وأنه قاله مصنفه ثم يذكر اسم المصنف نفسه أقرب ما يكون إلى أنه من صنع المصنف نفسه، واتهام النساخ بالانتحال هذا خلاف الأصل وإن كان محتملًا، إلا أنه احتمال لا يصل إلى حد الارتياب في النساخ، وإنما يطلق العاملون في مجال التحقيق مثل ذلك الاحتمال للمزيد من التحري في إثبات أن النسخة بخط مصنفها، أو أن يكون هناك أمر مريب ظاهر في النسخة يدعو للشك.
٤ - كما جاء أيضًا في الخاتمة أن المصنف ناول الكتاب إلى غيره، وأنه أذن له أن يناوله إلى غيره، فهذه حقوق للمؤلف ليست للناسخ، تنازل عنها خطيًا للشخص المذكور، ولا يكون مثل هذا إلا من المصنف.
٥ - جاء في الخاتمة أيضًا تاريخ مناولة المصنف الكتاب للشخص المذكور: "قاله مصنفه محمد بن أحمد بتاريخ الثامن والعشرين لشهر شعبان سنة ست وخمسين وستمائة، فالمصنف ناول هذا الكتاب لغيره في تلك السنة وعاش بعدها خمس عشرة سنة، والناسخ المدلس قد لا يكون ذكيًا بكتابة تاريخ نسخ في حياة المصنف؛ ووفاة المصنف في سنة ٦٧١ هـ ثم يذكر أنه بخط مصنفه، كما أن تاريخ الفراغ من النَسْخِ يُثْبتُ عادةً إذا كان الناسخ اعتمد على نسخة أخرى نسخ منها، فلما لم يُذكر تاريخُ نَسْخٍ، وذُكر تاريخ مناولة قوّى احتمال أنها بخط المصنف.
٦ - قِدَمُ هذه النسخة التي أثرت الرطوبة فيها فكثر فيها الخرم، كذلك مما يدل
[ ١ / ٨٢ ]
على قِدَمِها، ويرجح أنها كانت مسودة للمؤلف كثرة الأبواب والفصول والمسائل التي خلت منها هذه النسخة مما يدل على أن المؤلف كان يضيف إليها ويزيد؛ وذلك لأن ما بين مناولتها إلى وفاة المؤلف فترة طويلة تكفي لعمل التنقيحات.
٧ - العناية الفائقة بالنص؛ حيث كان مضبوطًا بالتشكيل في معظم كلماته، وهذا عمل صعب جدًّا ويحتاج إلى وقت وجهد وعلم بالنحو، ومثل هذا لا يعتني به عادة إلا مؤلفو الكتب أنفسهم.
٨ - كثرة الزيادات والإضافات التي توجد بهوامش النسخة بحيث يبعد أن تكون من مقابلات ناسخ عادي، أو من تعليقات بعض أهل العلم، بل في كثير من الأحيان ما تكون الزيادات أبوابًا أو فصولًا، والناسخ العادي قد تفوته كلمة أو عبارة فيستدركها في التصحيح بالمقابلة، وأما تلك الزيادات الكثيرة فتدل على أن المصنف كان يضيف إلى ما كتب سابقًا ويحرر فيه، كما في ل ١/ ب، ل ٥/ ب، ل ٦/ ب، ل ١٠/ ب، ل ١١/ أ، ل ١٢/ أ، وهو كثير جدًّا.
٩ - كتب النسخة بخط مغربي، والمصنف من أهل الأندلس الذين عاشوا ارتباطًا وثيقًا بالمغاربة.
١٠ - جاء في صفحة الغلاف اسم الكتاب كما ذكره المصنف في مقدمة كتابه تمامًا، حيث جاء فيها: "كتاب التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة"، ثم كتب تحت اسم الكتاب في ورقة الغلاف: "تصنيف العبد الفقير إلى ربه محمد بن أحمد القرطبي غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين أجمعين إنه سميع الدعاء قريب مجيب"، وعادة النساخ تفخيم مؤلفي الكتب كقولهم: الإمام العلامة المتفنن. . . إلخ، وعبارات المصنفين تَحْمِلُ عادةً عبارات التواضع.
١١ - حلّت هذه النسخة إشكالات وردت في النسخ الأخرى، ورجحت الصواب فيها، كما سيمر قريبًا إن شاء الله في ص (٨٥).
[ ١ / ٨٣ ]
هذه الأمور مجتمعة جعلتني أطمئن لهذه النسخة أنها بخط المصنف، وإن كان من بين تلك المرججات ما هو من قبيل القرائن.