فمن النقول السابقة ظهر لي ما يمكن أن أفسر به موقف المؤلف من معتقد السلف الصالح في باب الأسماء والصفات، وموقفه من مؤولة نصوص الصفات في آن واحد.
فكون القرطبي يورد نصوصًا للسلف في باب الأسماء والصفات في كتبه تدل على معرفته التامة بمذهبهم، بل نجده يدافع عن السلف ومنهجهم، ويذم غلاة المتكلمين، وفي نصوص أخرى يؤول نصوص الصفات، بل يعدّ مَن نظر في اصطلاحات المتكلمين واستعملها في الدفاع عن الدين منزلته قريبة من منزلة النبيِّين، فذلك يرجع في ظني والله أعلم لأسباب خارجية قامت في نفس المؤلف:
- فإيراده لأقوال السلف المتقدمين في باب الأسماء والصفات يرجع لما يُكنّه لهم من إجلالٍ وتقديرٍ؛ لكونهم خيار هذه الأمة، ورواة أحاديث الصلاة وأحكامها، وأن بقية فروع الشريعة جاءت عن طريقهم، كما صرّح بذلك قريبًا.
- وأما ما جاء عنه من تأويل وقبول لمنهج واصطلاحات المتكلمين فيرجع
_________________
(١) انظر: تخريج الحديث وقول ابن عبد البر المشار إليه، والرد على ما ذهب إليه المؤلف في موضعه ص (٢٢٦).
(٢) تم التعليق على مذهب التأويل الذي نصح به غيره في موضعه ص (٢٢٦ - ٢٢٧).
[ ١ / ٤٧ ]
في ظني الراجح إلى البيئة التي حوله، فالمؤلف عاش في عصر دولة الموحدين التي تبنَّى مؤسسها ابن تومرت العقيدة الأشعرية، كما درس المؤلف في قرطبة على يد مشايخ أشاعرة، وفي مصر كذلك، بل لازم شيخه أبا العباس أحمد بن عمر القرطبي وهو صاحب شخصية قوية، ومن المنافحين الأشداء عن العقيدة الأشعرية ومنهج التأويل، كذلك كان أصحابه وجلساؤه من أهل الكلام والنظر، كما صرح بذلك.
فالذي يظهر من ذلك كله أن القرطبي حاول أن يُعْمِلَ سياسة التوفيق بين ما يُكنه للسلف من إجلال وتقدير وبين ما تأثر به ممن حوله، وذلك بإيراد أقوال السلف والمتكلمين في المسألة من مسائل الصفات مع ترجيح أو اختيار لمنهج المتكلمين، مع إقراره أن الحق مع السلف، وإليك هذا النقل العجيب الذي يوضح ما ذكرته لك: فبعد أن أورد القرطبي أربعة عشر قولًا في كتاب الأسنى في أسماء الله الحسنى في مسألة الاستواء، قال في نهاية تلك الأقوال: "وأظهر هذه الأقوال وإن كنت لا أقول به ولا أختاره ما تظاهرت عليه الآي والأخبار أن الله سبحانه على عرشه كما أخبر في كتابه وعلى لسان نبيه بلا كيف، بائن من خلقه، هذا جملة مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقات" (^١)، فالمتأمل في عبارة القرطبي السابقة يلاحظ عليها استعجاله في البراءة من الحق الذي ظهر له، فربما كان المؤلفُ يخشى هجومًا قويًا من المخالفين لمنهج السلف إذا ما أظهر الحقَّ أولًا ثم أخَّر البراءة منه في آخر القول، فبادر إلى عدم اختيار الحق الذي ظهر له قبل أن يكمل أن هذا الحق هو الذي تظاهرت عليه الآي والأخبار، وكان بإمكانه لولا شراسة مَن حوله أن يقول: وأظهر الأقوال هو قول السلف الصالح وهو الذي تظاهرت عليه الآي والأخبار .. وإن كنت لا أقول به ولا أختاره، فيكون للبيئة سلطانها وتأثيرها ونفوذها القوي في عدم تبني المؤلف للحق الذي ظهر له، وبالتالي الصدع به.
وقد حاولت جاهدًا التعرفَ على آخر كُتُبِ القرطبي تأليفًا، وعلى وجه
_________________
(١) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ٢/ ١٣٢.
[ ١ / ٤٨ ]
الخصوص من بين كتبه: الجامع لأحكام القرآن، والأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، وكتاب التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، وذلك من خلال إحالات القرطبي إلى تلك الكتب، فالقرطبي قد أحال في تفسيره إلى التذكرة في أكثر من مائة إحالة، وأحال في التذكرة إلى ثمانية مواضع في تفسيره، وأحيانًا يحيل في بداية التذكرة إلى مواضع في آخر التفسير، ويحيل في بداية التفسير إلى مواضع في أواخر التذكرة، ويحيل في التفسير والتذكرة إلى كتابه الأسنى في الأسماء الحسنى، فمن أمثلة تلك الإحالات إلى كتاب الأسنى، أن القرطبي ذكر في تفسيره أن في مسألة الاستواء أربعة عشر قولًا ثم أحال إلى كتاب الأسنى لمعرفة تفاصيل تلك الأقوال، حيث يقول (^١): "قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ هذه مسألة الاستواء وللعلماء فيها كلام وإجراء، وقد بينا أقوال العلماء فيها في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وذكرنا فيها هناك أربعة عشر قولًا". وكان من بين تلك الأقوال التي ذكرها في كتاب الأسنى قول السلف الصالح الذي رده المؤلف بعد أن ظهر له أنه الحق كما مرّ بنا قريبًا، وإن كنت أرى أن كتاب الأسنى هو الذي عليه المعول في الحكم على عقيدة المؤلف وذلك لسببين:
الأول: أن القرطبي وضعه أساسًا لبيان مسائل الأسماء والصفات.
الثاني: أنه المرجع الذي يحيل إليه لمن أراد استقصاء المزيد من الأقوال في مسائل الصفات كما في كتاب جامع أحكام القرآن والتذكرة.
فالمؤلف في العقيدة كما في كتبه (الجامع لأحكام القرآن، والتذكرة، والأسنى) من مؤولة الصفات.
وبما أن للمؤلف نقولًا تدل على معرفته التامة بمذهب أئمة السلف في باب الأسماء والصفات، وقد مرّ بنا قريبًا تصريحه بأنه الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة، فربما قبل موته رجع إلى مذهب السلف.
_________________
(١) في تفسيره ٧/ ١٤٠ فقرة رقم ٢١٩.
[ ١ / ٤٩ ]
فموضوع عقيدة القرطبي خاصة في باب الأسماء والصفات يحتاج إلى دراسة مستقلة أوسع من هذه، فربما يتمكن الباحث المتفرغ لدراسة عقيدة القرطبي من التوصل إلى نتيجة أعمق، وربما يصل إلى ما لم أصل إليه من كتب، وبالجملة فموضوع عقيدة أبي عبد الله القرطبي ما زال يحتاج إلى المزيد من البحث والتقصي والمقارنات، خاصة إذا علمنا أن للقرطبي جهودًا جيدة في الرد على الصوفية، وسيأتي نماذج منها في الفقرة التالية.
- وأما موقف المؤلف من الصوفية فهو يكثر من الرد على انحرافاتهم وبدعهم، وهذه بعض النصوص التي توضح ذلك:
"قوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، دليل على جواز التعالج بشرب الدواء، وغير ذلك خلافًا لمن كره ذلك من جلة العلماء، وهو يرد على الصوفية الذين يزعمون أن الولاية لا تتم إلا إذا رضي بجميع ما نزل به من البلاء، ولا يجوز له مداواة" (^١).
"قوله تعالى: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢]، فيه مسألة واحدة: وهو اتخاذ الزاد في الأسفار، وهو رد على الصوفية الجهلة الأغمار، الذي يقتحمون القفار زعمًا منهم أن ذلك هو التوكل على الله الواحد القهار، هذا موسى نبي الله وكليمه من أهل الأرض قد اتخذ الزاد مع معرفته بربه، وتوكله على رب العباد" (^٢).
"وسئل الإمام أبو بكر الطُّرْطُوشِي (^٣) ﵀: ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية، وأُعْلِمَ - حرس الله مدته - أنه اجتمع جماعة من رجال فيكثرون من ذكر الله تعالى وذكر محمد ﷺ، ويقوم بعضهم يرقص، ويتواجد
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٩٠ فقرة رقم ١٣٦.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ١١/ ١١ فقرة ١٣.
(٣) هو: محمد بن الوليد بن خلف، أبو بكر الطرطوشي، الإمام القدوة، شيخ المالكية في زمانه، وهو القائل في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي: وهو لعمرو الله أشبه بإماتة علوم الدين، من كتبه "سراج الملوك"، وله كتاب في الخلاف، توفي سنة ٥٢٠ هـ، انظر: سير أعلام النبلاء ١٩/ ٤٩٠.
[ ١ / ٥٠ ]
حتى يقع مغشيًا عليه، ويحضرون شيئًا يأكلونه، هل الحضور معهم جائز أم لا أفتونا مأجورين؟.
الجواب: يرحمك الله مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، ما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلًا جسدًا له خوار، قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون، فهو دين الكفار وعباد العجل، لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا يعينهم على باطل، هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المسلمين وبالله التوفيق" (^١).
وقد مرّ بنا إنكار المؤلف على الصوفية في فهمهم الخاطئ للزهد والتقشف (^٢)، ومع ذلك فللقرطبي عاطفة زائدة بعض الشيء حملته على اعتقاد إحياء والدي النبي ﷺ وإيمانهما به، كما سيأتي في موضعه في كتاب التذكرة (^٣) إن شاء الله تعالى.
- كما سَلِمَت عقيدة القرطبي ﵀ من عقائد الرافضة وغلوهم في آل البيت، بل قد رد عليهم في مواضع من تفسيره منها قوله:
"كان عمر ﵁ أول من أظهر إسلامه وقال لا نعبد الله سرًا، وفي ذلك نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: ٦٤]، فدلت الآية على رد قول من قال إن النبي ﷺ كتم شيئًا من أمر الدين تقية وعلى بطلانه، وهم الرافضة، ودلت على أنه ﷺ لم يُسر إلى أحد شيئًا من أمر الدين؛ لأن المعنى بلغ جميع ما أنزل إليك ظاهرًا ولولا هذا ما كان في قوله ﷿: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] فائدة" (^٤).
_________________
(١) المصدر السابق ١١/ ١٥٨ الفقرات ٢٣٧، ٢٣٨، باختصار.
(٢) انظر: ص (٢٩).
(٣) انظر: ص (١٣٨).
(٤) الجامع لأحكام القرآن ٦/ ١٥٧ فقرة ٢٤٢، وانظر: المرجع السابق ٥/ ١٣ فقرة ١٧، ٦/ ٢١ فقرة ٢٩، ١٨/ ٢٢ - ٢٣ فقرة رقم ٣٣.
[ ١ / ٥١ ]
- كما سَلِمَ اعتقاد القرطبي من منهج الخوارج، في الخروج على الإمام الجائر، حيث يقول في تفسيره (^١): "والذي عليه الأكثر من العلماء: أن الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه؛ لأنه في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف، وإراقة الدماء وانطلاق أيدي السفهاء، وشن الغارات على المسلمين، والفساد في الأرض، والأول (^٢) مذهب طائفة من المعتزلة وهو مذهب الخوارج فاعلمه".