لم تذكر لنا المصادر شيئًا عن نشأة القرطبي أو عن أسرته؛ والسبب في ذلك والله أعلم أن العدو لما استولى على قرطبة وأرغم أهلها على الهجرة منها لا زال القرطبي في مرحلة طلب العلم، وعادة المؤرخين أن يؤرخوا لمشاهير العلماء، وقبل أن يشتهر القرطبي بالعلم في بلده سقطت قرطبة في أيدي العدو، كما أن المؤلف ﵀ توفي بعيدًا عنها. إلا أن القرطبي أخبرنا في كتابه التذكرة بنوع عمل كان يعمله في زمن الشباب حيث يقول: "ولقد كنت في زمن الشباب أنا وغيري ننقل التراب على الدواب من مقبرة عندنا تُسمى بمقبرة اليهود خارج قرطبة، وقد اختلط بعظام مَن هناك ولحومهم وشعورهم وأبشارهم
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه ٢/ ١٤١٥، ح ٤٢٦٣ واللفظ له؛ والترمذي في سننه ٥/ ٥٥٣، ح ٣٥٥٠؛ وأبو يعلى الموصلي في مسنده ١٠/ ٣٩٠، ح ٥٩٩٠؛ كلهم من حديث أبي هريرة ﵁، قال الترمذي: هذا حسن غريب، وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى، وفيه شيخ هشيم ولم يُسم، وبقية رجاله رجال الصحيح، انظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد له ١٠/ ٢٠٦؛ وقال الألباني: حسن صحيح، انظر: صحيح سنن ابن ماجه له ٢/ ٤١٥، ح ٣٤١٤.
[ ١ / ٢٧ ]
إلى الذين يصنعون القَرْمَدُ (^١) للسُقُف"، فالذي يظهر أن القرطبي كان يتكسب من عمله هذا؛ لأن الذين يصنعون تلك الحجارة للسقف ما يصنعونها في العادة إلا لبيعها.
كذلك لما ذكر المؤلف مقتل والده بيّن لنا أن الناس كانوا في حقولهم، وخص الأرض بالذكر، فقد يفهم من ذلك أن غالب أهل قرطبة كانوا يعملون في الزراعة، وقد يكون والد المؤلف من أولئك الفلاحين.
وعلى العموم، فالذي يظهر أن القرطبي نشأ في كنف أسرة فقيرة أو متوسطة الحال.
وأما عن الناحية العلمية لأسرة المؤلف: فلم أقف على نصٍّ يدل على أن المؤلف نشأ في أسرة علمية، أو تُعنى بالعلم.