لما ضاق الحال بأهل قرطبة من جراء غزو النصارى الإسبان لبلدهم هجرها الكثير من أهلها حتى أهل العلم، وكان المؤلف ﵀ من بين أولئك المهاجرين، فكانت هجرته إلى مصر.
لم تذكر لنا مصادر الترجمة متى هاجر المؤلف ولماذا اختار مصر. هذه أسئلة تدور في الخاطر، حاولت أن أجد لها أجوبة من وقائع الأحداث التي وقفت عليها لسد بعض النقص في جوانب من حياة المؤلف.
- أما تاريخ هجرته من قرطبة فيحتمل أن يكون بعد سقوط قرطبة على أيدي النصارى الإسبان في سنة ٦٣٣ هـ مباشرة أو بعد ذلك بيسير، لكن من
_________________
(١) لم أقف على من ذكر معناه، لكن يبدو من السياق أنه ملحق من ملحقات تلك الدار.
(٢) أي إلى جامع البلد.
[ ١ / ٣٠ ]
المؤكد وصول المؤلف إلى مصر قبل يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب سنة سبع وأربعين وستمائة (٦٤٧ هـ)؛ لأنه في هذا التاريخ نص على أنه عن روي عن شيخه الإمام الحافظ المسند أبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن عمرو البكري التيمي من ولد أبي بكر الصديق ﵁ قراءة عليه بالمنصُورة (^١) بالديار المصرية. لكن من المرجح أن المؤلف وصل إلى مصر قبل هذا التاريخ بكثير للفارق الزمني الكبير بين تاريخ سقوط قرطبة وتاريخ روايته عن شيخه أبي الحسن البكري المتقدم.
- أما اختيار المؤلف لمصر مع وجود عاصمة الخلافة: بغداد، وكثرة العلماء فيها، فمن المحتمل أنه أثر الابتعاد عن العاصمة؛ لأنها مسرح للأحداث، ومحل للفتن وهجمات الأعداء، فإذا كان هذا هو السبب فيكون قد صدق ظنه؛ لأن في زمن وجود المؤلف في مصر هجم التتار على بغداد وقتلوا فيها ألف ألف نسمة وأكثر العلماء والفقهاء (^٢).
ومن المحتمل أيضًا أن اختياره لمصر كان لوجود بعض العلماء الذين كان يتطلع إلى التلقي منهم كشيخه أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي، الذي كان مقيمًا في الإسكندرية (^٣) حيث أكثر المؤلف من الرواية عنه والملازمة له.
- كما لم تذكر لنا مصادر ترجمة المؤلف أنه نزل في غير الإسكندرية، والفيوم، ومنية بني خصيب في صعيد مصر إلا ما ذكره عن نفسه أنه روى عن شيخه أبي الحسن البكري بالمنصُورة من مدن مصر.
وأيضًا لم تذكر لنا مصادر الترجمة لماذا انتقل القرطبي إلى منية بني خصيب في الصعيد وفضلها على غيرها من مناطق مصر؛ لتكون آخر محط
_________________
(١) تقع مدينة المنصورة في دلتا النيل قريبًا من الزقازيق وعلى فرع النيل الشرقي، موسوعة المدن العربية الإسلامية ص (٢٠٧).
(٢) انظر: ص (١٧).
(٣) ثاني أكبر مدن مصر تقع على البحر الأبيض المتوسط على الساحل الأفريقي على خط ٣١ درجة شمالًا، بين مدينتي رشيد شرقًا، ومرسي مطروح غربًا، موسوعة المدن العربية والإسلامية ص (٢٠٢).
[ ١ / ٣١ ]
رحله؛ فلعل السبب في ذلك والعلم عند الله تعالى: هو وجود شيخه أبي الحسن علي بن هبة الله الشافعي في منية بني خصيب الذي روى عنه المؤلف، وقد أورد القرطبي في كتابه التذكرة ثلاث روايات بسنده عن شيخه أبي الحسن هذا، فمن ذلك قوله: "وأنبأناه الشيخ الفقيه الإمام المفتي أبو الأحسن علي بن هبة الله الشافعي بمنية بني خصيب (^١) على ظهر النيل بها".
ولعل أيضًا من أسباب اختيار صعيد مصر: هو رغبة المؤلف في أن يقضي باقي أيام عمره بعيدًا عن المدنية؛ ليتفرغ لعبادة ربه ﷿، وتأليف كتبه وتنقيح المؤلَّفِ منها، فاختار منية بني خصيب بصعيد مصر، فأهل الصعيد في جملتهم فلاحون يعيشون حياة لا تكلفَ فيها، قد تكون أقرب إلى الحياة التي عاشها المؤلف أيام شبابه في قرطبة، وأقرب إلى حياة الزهد التي يحبها.
فبقي ﵀ في منية بني خصيب إلى أن توفي فيها في أوائل سنة (٦٧١ هـ) (^٢)، وقيل في شوال من السنة نفسها (^٣).
* * * * *
_________________
(١) تسمّى الآن بمحافظة المنيا، وتقع في وادي النيل بين أسيوط جنوبًا وبني سويف شمالًا، وهي تحاذي الصحراء الغربية لجهة الشرق، موسوعة المدن العربية والإسلامية ص (٢٠٩).
(٢) انظر: تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، للذهبي ٥٠/ ٧٥.
(٣) انظر: معجم المؤلفين لرضا كحالة ٨/ ٢٣٩.
[ ١ / ٣٢ ]